هاجر أوموسى تكتب: حين انتصرت فاطمة الزهراء المنصوري للمغرب الذي نريد

هاجر أوموسى
وأنا أتابع، جواب السيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري خلال جلسة التصويت على البرنامج الحكومي، لم تستوقفني فقط قوة الرد أو الثقة بالنفس التي طبعت مداخلة السيدة الرئيسة، بل استوقفني بالأساس ذلك الحضور السياسي لامرأة اختارت أن تواجه الخطاب بالخطاب، والحجة بالحجة، وأن ترفض أن تتحول صفتها كامرأة إلى مدخل للنيل من مشروعيتها السياسية أو الانتقاص من قدرتها على القيادة.
قامت بكل هذا أمام برلمان متعدد المرجعيات والخلفيات والمواقف، وهو أمر طبيعي بل مطلوب في أي ممارسة ديمقراطية، ففي هذا المجلس من يعارض انطلاقا من قراءة سياسية ومرجعية مشروعة، وفيه من يمارس النقد الموضوعي الذي تحتاجه المؤسسات، لكن اتضح أن فيه أيضا من لا يزال يعتقد أن إحراج المرأة أو استدعاء الصور النمطية المرتبطة بها يمكن أن يشكل وسيلة لإضعاف حضورها وإسكات صوتها.
ومن موقعي الفكري والسياسي، المنحاز إلى قيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وإلى المشروع الديمقراطي الحداثي، أعتقد أن طبيعة النقاش الذي عرفته هذه الجلسة، يتجاوز مجرد سجال برلماني بين رئيسة حكومة ومعارضيها، ليعيد طرح سؤال المغرب الذي نريد من جديد، فهل هو مغرب المواطنة والمساواة والحرية، أم مغرب الوصاية الأخلاقية واحتكار الحقيقة وتوظيف المقدس في الصراع السياسي؟
في هذا الإطار، لا أجد أي حرج سياسي وأنا المناضلة الاتحادية، أن أؤكد أن السيدة رئيسة الحكومة، قد تمكنت في ثلاث لحظات على الأقل خلال جوابها، من إبراز هذه الثنائية، ومن التأكيد على أن جوهر النقاش المطروح على مغرب اليوم، هو نقاش أي مغرب نريد.
اللحظة الأولى: حينما أكدت رئيسة الحكومة أن الإسلام ليس ملكية سياسية.
وجب التأكيد بداية، أن الدين للمغاربة جميعا، وأن الوطن للمغاربة جميعا، وهما ليس ملكية سياسية لأحد، يستند إليها في كل مرة يريد فيها تعزيز مواقفه وإبراز اختياراته وتصوراته، في هذا الإطار، فإن أقوى اللحظات التي استوقفتني في جواب رئيسة الحكومة، هي اللحظة التي واجهت فيها الخطاب الذي يمنح أصحابه لأنفسهم حق توزيع الانتماء إلى الإسلام وإلى الوطن، وكأن الإسلام وصل إلى المغاربة عبر حزب سياسي، أو كأن الاختلاف مع توجه إيديولوجي معين يجعل من الإسلام مطية ومنبعا للشرعية يعني الاختلاف مع الإسلام نفسه.
لقد جاء رد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في هذا الإطار حاملا لدلالة سياسية عميقة، مضمونها أن الإسلام ليس علامة تجارية سياسية أو انتخابية، وأن الإيمان بالله الذي لا يحتاج إلى رهبانية لا يحتاج إلى وساطة حزبية، وأن المغاربة لم ينتظروا ظهور الإسلام السياسي عبر الاسلاماويين حتى يعرفوا دينهم ويتمسكوا به، وعلى هذا المستوى نلتقي كاتحاديات واتحاديين و كحداثيات وحداثيين مع السيدة الرئيسة، ذلك أن أبرز القضايا المركزية التي دافعنا عنها تاريخيا في الاتحاد الاشتراكي، هي ضرورة التمييز بين الدين باعتباره شأنا روحيا مشتركا، وبين توظيفه توظيفا سياسيا باعتباره أداة للاستقطاب والمزايدة واحتكار الشرعية الأخلاقية.
ذلك أن الحداثة ليست عداء للدين، كما يحاول البعض تصويرها، وليست تنكرا لهوية المجتمع المغربي أو لقيمه الروحية، كما أن الدفاع عن القيم التقدمية لا يعني نقصا في الإيمان ونقصا في الوطنية، وبالتالي فإنه ليس نقاشا وليس اختلافا، محاولة تصوير كل من يدافع عن مشروع مجتمعي تقدمي حداثي خصما لهوية الأمة أو لقضاياها العادلة، بل ليس أخلاقيا بالمرة محاولة ربط أي مشروع مجتمعي مختلف بالصهيونية، في استغلال بشع لرمزية القضية الفلسطينية، ولموقعها في المخيال الشعبي المغربي، وهي مناسبة لنذكر المستجدين على الساحة النضالية الوطنية، وعلى ساحة القضايا الأممية العادلة، بأن مكونات اليسار المغربي وفي طليعتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، هي من ناضلت ونجحت في صياغة الوعي بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية، كان هذا في الوقت الذي كانت فيه الشرارة الأولى لتيارات الإسلام السياسي، غارقة في انشغالاتها التأسيسية، وقاصرة عن استيعاب الأبعاد التاريخية والتحررية لهذا الصراع ولهذه القضية.
اللحظة الثانية: حينما أعلنت رئيسة الحكومة نهاية صلاحية خطاب المظلومية.
إن ما أثار انتباهي كذلك هو جرأة رئيسة الحكومة في مواجهة خطاب سياسي ظل لسنوات يستثمر في ثنائية الضحية والجلاد، ويستدعي باستمرار مفردات التحكم والمؤامرة والاستهداف، حتى عندما كان الأمر يتعلق باختلافات سياسية طبيعية تخضع لمنطق التنافس الديمقراطي، صحيح أن هذا الخطاب قد نجح في مراحل سابقة في استمالة فئات واسعة من المغاربة، مستغلا هشاشتها الاجتماعية والاقتصادية وحاجتها إلى الأمل وإلى الإنصاف، لكنه لم يعد قادرا اليوم، على الأقل، على إقناع الأجيال الجديدة بالسهولة نفسها، ذلك أنها أكثر قدرة على مساءلة الشعارات ومقارنتها بالحصيلة الفعلية.
فالمغاربة اليوم، بمن فيهم الفئات الشعبية البسيطة التي كثيرا ما تم التعامل معها باعتبارها خزانا انتخابيا سهل استمالته باستعمال العاطفة الدينية، أصبحوا يمتلكون من الوعي ومن التجربة ما يسمح لهم بالتمييز بين الإيمان الصادق وبين الاستثمار السياسي في الإيمان، وهذا يؤكد أن صلاحية الخطاب الشعبوي المؤسس على استغلال الدين باعتباره مشتركا، قد انتهت، وأن مواجهته أصبحت اليوم واقعا من خلال إنتاج خطاب سياسي واضح، لا يخشى الدخول في النقاش الإيديولوجي ولا يترك المجال مفتوحا أمام من يحاول احتكار الحديث باسم المجتمع والدين والأخلاق.
اللحظة الثالثة: حينما أكدت رئيسة الحكومة أن المرأة ليست “ثريا”.
لقد كانت هذه في تقديري من أكثر اللحظات قوة في جواب السيدة رئيسة الحكومة، حيث أعادت إثارة ذلك التصور الذي شبه المرأة بالثريا التي تضيء البيت، هذا التشبيه، مهما حاول أصحابه تقديمه في قالب تكريمي للمرأة، إلا أنه يختزلها في وظيفة جمالية داخل فضاء يحدده الرجل، ويجعل قيمتها مرتبطة بما تضيفه على محيطها، لا بما تمتلكه من عقل وإرادة واستقلالية وقدرة على الفعل والتغيير.
فالمرأة ليست ديكورا يؤثث البيت، وليست جسدا يختزل في حضوره الجمالي، وليست كائنا ينتظر من يمنحه الحق في الخروج إلى الفضاء العام، بل هي عقل وضمير وقناعة ونضال، والأهم أنها مواطنة كاملة الحقوق، وشريكة في الإنتاج وفي القرار وفي صناعة المستقبل.
لكن المهم، هو أنه حينما واجهت امرأة على رأس الحكومة هذا التصور من داخل المؤسسة التشريعية، فنحن لم نعد أمام رسالة شخصية أو أمام دفاع عن الذات، بل عشنا لحظة للدفاع عن أجيال من النساء المغربيات اللواتي ناضلن من أجل الحق في التعليم وفي العمل وفي الاستقلال الاقتصادي وفي المشاركة السياسية، لقد كانت رسالة إلى العاملة والفلاحة والأستاذة والطبيبة والباحثة والمنتخبة، وإلى الأرملة والمطلقة وإلى كل امرأة تحمل مسؤولية أسرتها، بأن قيمتها لا يحددها موقعها داخل البيت، وإنما إنسانيتها الكاملة وحقها في اختيار مسار حياتها.
ختاما، إن ما تابعته خلال هذه الجلسة البرلمانية لم يكن، بالنسبة إلي، مجرد مواجهة كلامية بين رئيسة حكومة وخصومها السياسيين، بل كان تعبيرا عن صراع أعمق بين تصورين للمجتمع، الأول يريد أن تبقى المرأة موضوعا للحديث والوصاية، وتصور ثان مختلف بتاتا عن التصور الأول، يعتبرها ذاتا سياسية كاملة الأهلية، الأول يوظف الدين في المنافسة الحزبية، والثاني يؤمن بأن التدين والدين حق للجميع، وأن الشرعية السياسية مصدرها الاختيار الديمقراطي وخدمة المواطنين.
لقد أثبتت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، في تلك اللحظات، أن المرأة لا تحتاج إلى استعارة صوت الرجل حتى تكون قوية، ولا إلى التخلي عن قناعاتها حتى تكون مقبولة، ولا إلى طلب الإذن حتى تدافع عن مكانتها، فالمرأة ليست ثريا في سقف أحد، والدين ليس سجلا تجاريا في ملكية أي حزب، والوطن ليس حكرا على من يرفع صوته أكثر، إن المغرب الذي نطمح إلى بنائه هو مغرب المواطنات والمواطنين الأحرار، حيث لا وصاية على الضمائر، ولا احتكار للوطنية، ولا مساومة على كرامة المرأة، ذلك هو جوهر المشروع الحداثي الديمقراطي الذي نؤمن به، وتلك هي المعركة الفكرية والسياسية التي ينبغي أن يظل اليسار و الاتحاد الاشتراكي وفيا لها، على هذا الأساس، أنا لم أجد أي حرج سياسي في التنويه بمواقف رئيسة الحكومة، فالأمر أولا وأخيرا يتعلق بتناقضات رئيسية وأخرى ثانوية، ولا أعتقد أن هناك يساريا أو اتحاديا، سيختلف معي، حول أن التناقض الرئيسي اليوم هو بين مشروعين متناقضين للمجتمع وللدولة.
تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


