بعد الأمر الملكي بتوزيع 65 شقة.. ساكنة قصبة تاوريرت تنتظر التفعيل بين الأنقاض -فيديو

وفاء بلوى

لطالما ارتبطت مدينة ورزازات ـ جهة درعة تافيلالت ـ بالسينما والأفلام العالمية، نظرا لعدد الأعمال السينمائية التي كانت ورزازات مسرحا لها، لكنها تشهد أيضا فيلما من نوع آخر، عنوانه رعب لا تغطيه الكاميرات، بطله المطر والشمس والبنيان المهترئة.

حللنا هنا بقصبة تاوريرت، في يوم صحراوي بامتياز صباحه وليله برد قارس، فيما نهاره قيظ وشمس تشوي الوجوه، وعند جنبات القصبة وجدنا حافلات السياح طوابيرا، تفرغ جعبتها أفواجا من العيون الفضولية، والجنسيات الظمآنة لسفر مكتمل الأركان، عبر الزمن والجغرافيا والثقافة والمناخ أيضا، ثم توغلنا بين دروب حي القصبة لنلتقي سكانها ونكشف كواليسها وكوابيسها.

أول المشاهد أنقاض من الطين، وفتاة في الثامنة تجر أخاها الصغير، وتقفز بين الأنقاض، نحو زقاق ضيق، سقفه متصدع بما يكفي لينذر بعدم الاقتراب منه، لكنها اخترقته وكأنه هين لا يخيف، الطفلة تدعى مريم، والدها رضوان، عامل نظافة أربعيني، ورث كراء بيت من بيوت القصبة من والدته، التي اكترته قبل 60 سنة بمبلغ 150 درهما، ويعيش هناك رفقة زوجته وأخته وأبنائه الثلاثة. فتح لنا باب بيته وباب قلبه، ليروي بابتسامة كسيرة تفاصيل العيش في بيت يسكنه ولا يعرف السكينة فيه، بسبب الخوف الدائم من أن يطمر وعائلته تحته، ويقول: “أمضيت 40 سنة هنا، لكني اليوم خائف على أبنائي وعائلتي، بعد انهيار البيتين الملاصقين لبيتي من اليمين واليسار، سيما وأن البناء في القصبة كان يعتمد في صموده على دعم جدران البيوت لبعضها، نظرا لغياب الحديد والركائز فيه”، قال هذا ثم طلب منا الصعود إلى سطح المنزل لتكون الصورة أوضح.

سطح بحبلي غسيل، مثقلة بملابس الأطفال، تحتها أنقاض جدار البيت المجاور يمينا، ويسترسل رضوان في الحديث ” يوم هطول الأمطار غزيرة بورزازات، صعدت وعائلتي إلى هنا لإزالة المياه المتراكمة في السقف، فانهار علينا هذا الجدار، وأحمد الله أنه لم يصب أبنائي بأذى، لكن الخطر لم يزل”، وعند سؤاله عن سبب بقائه في البيت رغم خطورته، ولجوء معظم جيرانه إلى دار الإيواء، أو “الكاراجات” التي تطوع ساكنة البيوت الإسمنتية بفتحها لإيواء المتضررين، كان رده أن “دار الإيواء امتلأت، وكذلك بيوت المحسنين” مشيرا إلى أن الرحيل نحو دار إيواء يعني تمزق أوصال أسرته، نظرا لأن الرجال يفصلون عن النساء هناك.

وأضاف رضوان، أن الخطر ليس في البيت فقط، بل في الطريق المؤدية له أيضا، حيث كل البيوت متصدعة، والانهيار وارد الحدوث في أي لحظة.

وعند الانتقال إلى فناء البيت في الأسفل في بيت رضوان المدرج ضمن الشطر الثاني من برنامج تثمين القصبات والقصور الذي تستفيد منه قصبة تاوريرت على غرار قصبات وقصور المملكة، تجد حوضا بلاستيكيا (بانيو) بدل الطاولة، يساهم بدوره في مساعدة العائلة على تماسك البيت وامتصاص المياه المتسربة من السقف، بينما أطفال رضوان منهمكون في مشاهدة الرسوم المتحركة “غامبول” على التلفاز، وقال رضوان ” هذا “البانيو” جزء من البيت خلال الشتاء، غير أن الصيف لا يكون أرحم، فتشبع الجدران الطينية بالمطر يجعل شقوقها تنفجر عندما تجففها الشمس”.

توجهنا بعدها إلى الزقاق المجاور، والذي استفاد من الترميم قبل 3سنوات، فلم نجد واقعا مختلفا، الأنقاض بنفس الحجم، أو ربما أكثر، والبيوت المنهارة تختزن إلى جانب ذاكرة القصبة، متاع ساكنيها المهجرين قسرا بفعل التصدعات والانهيارات في الحي، حيث التقينا الكبيرة، امرأة بتقاسيم حاسمة، في الخمسينات من عمرها “تطلب باب الله”، وتسكن رفقة 4 عائلات أخرى بيتا بطابقين و5 غرف ومطبخ، دعتنا إلى بيتها، “ماتخافوش، غير دخلو، راه واخا الشقوق أنا باقا عايشة بجهد الله”، وكان مدخل البيت كباب فاصل بين النور وظلام الخراب، فالإضاءة ضعيفة لا تسمح بالرؤية دون الاستعانة بمصابيح الهواتف، السلالم ضيقة وأسقفها شبه منهارة.

وتقول الكبيرة إن زوجها تخلى عندها ليتزوج أخرى، وتركها رفقة ابنيها لتجابه الأيام دون مصدر قوت، “أسكن هنا منذ سنة 2010، لكني مستقرة وفقط، أعيش في الخطر، ويوم تمطر لا نبيت هنا، أرسل أبنائي إلى بيوت الأقارب، وأرابط مع جيراني في الطابق السفلي، نرعى متاعنا، … نحن خائفون”.

وفي بيت الكبيرة لا يمكن ألا تلحظ بابا كبيرا تغطيه ملاءة صوفية، سألناها عن سبب وجوده لترد “هذا ليس بابا ولا نافذة، وإنما جزء من الحائط انهار ذات يوم مطير، وقضينا ليلة بيضاء بسببه”، وتضيف “لا يمكننا المغادرة، أدبر قوتي وأولادي بشق الأنفس، وأوفر سومة الكراء البالغة 300 درهم، لا نملك مرحاضا حتى، لكني لا أملك مكانا ألوذ إليه”، مشيرة إلى أن الأمطار الأخيرة كانت شديدة الوطأة على السكان، ” بقينا في الطابق السفلي قرب الباب، لكي يسهل علينا الهروب في حال حدوث مكروه”.

وفي ذات السياق، تقول أمينة اليعقوبي، فاعلة جمعوية، أمضت طفولتها في القصبة وظلت تحمل همها بعد أن غادرتها، “يوم قرأت النشرة الإنذارية، كنت خائفة على أرواح السكان، لأني أعرف حجم الضرر، لأن بعد المنازل لم تسنح لها الفرصة بالترميم، فاتصلت بخالد (فاعل مدني) لإخراج الناس لأن المنازل لن تتحمل الأمطار، وبالفعل انهارت المساكن في صباح اليوم الموالي”.

وعن المبادرة الملكية لتوزيع 65 شقة لفائدة الساكنة المتضررة، يقول كل من رضوان والكبيرة إنه تم التواصل معهم من قبل السلطات المحلية وإجراء قرعة، ومنحهم أرقام شققهم لكن التسليم ما يزال معلقا على حد قولهم.

وفي هذا الصدد، يقول خالد الجمطري رئيس الفرع المحلي للتعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان بورزازات، صرح بالقول إن “الملك عطف على رعاياه بالقصبة، بالأمر بتوزيع 65 شقة للمتضررين” مشيرا الأسر الـ65 معنيون بالشطر الثاني من برنامج تثمين القصور والقصبات بالمغرب”.

وأوضح الجمطري أن “العامل والباشا بالمنطقة قاما بلقاء معنا كحقوقيين إلى جانب الساكنة المتضررة، وتم إجراء قرعة بكل شفافية، لتوزيع أرقام الشقق التي سيستفيد منها المتضررون ريثما ترمم منازلهم الأصلية” مؤكدا الحاجة إلى “التعجيل في نقل الساكنة إلى الشقق لتحييد الخطر” على حد قوله.

يشار إلى أن عملية توزيع 65 شقة على المتضررين تمت بأمر ملكي، وأجريت القرعة بغرفة التجارة والصناعة والخدمات، بعد انهيار وتضرر 5 منازل بالحي دون حدوث خسائر في الأرواح.


مكتب الرجاء يحضر مفاجأة سارة لزينباور واللاعبين

whatsapp تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب






انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية




زر الذهاب إلى الأعلى