مارية الشرقاوي تكتب: تسرب الشباب من الأحزاب وعزوفهم عن العمل السياسي

السياسة لغة مشتقة من ساس يسوس أي ينصرف إلى معالجة الأمور، وهنا أستحضر مقولة أرسطو الشهيرة ” الإنسان حيوان سياسي بطبعه” ، فالفعل السياسي مرتبط بالإنسان بنمط عيشه وتفاعله مع محيطه ، لذا فنحن جميعا نمارس السياسة بشكل أو بآخر داخل الأسرة، في العمل وفي شتى مناحي حياتنا . أما اصطلاحا فالعديد أجمع على تعريفها كونها رعاية كافة شؤون الدولة الداخلية، وكافة شؤونها الخارجية، وتعرف أيضاً بأنها سياسة تقوم على توزيع النفوذ والقوة ضمن حدود مجتمع ما .
وما سأناقشه من خلال المقال هو موضوع الشباب المغربي وعلاقته بالسياسة ، على اعتبار أن فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 سنة و 35 سنة تمثل ثلث سكان البلاد ، كما أن ممارسة الشباب للسياسة تعتبر ضرورة ملحة فهو يشكل القاعدة الهرمية للساكنة ويحمل تطلعات نحو المستقبل بطاقة قوية تقل كثيرا عند الكهل والشيخ لأنه القوة والحيوية والطاقة والنشاط .
| وهنا أطرح سؤالا من قبيل :
كيف هي علاقة الشباب المغربي بالسياسة ؟
أشار تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي إلى كون 1 في المائة فقط من الشباب المغاربة ينخرطون في العمل السياسي ، كما أشار ذات التقرير أن الشباب يعزف عن العمل السياسي و يقبل على العمل الجمعوي لوعيهم بدور المجتمع المدني وتأثير مبادراته في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .
من خلال ما أشار إليه التقرير أعلاه يتضح جليا أن الشباب المغربي يعرف عزوفا عن العمل السياسي وهذا يفتح مجموعة تساؤلات :
هل هاته النسبة الكبيرة من الشباب جميعها لم تنخرط يوما في العمل السياسي ؟
ماهي الأسباب ؟
هده النسبة الكبيرة جدا و الصادمة تشمل فئتين ، فئة انخرطت في العمل السياسي لكن انقطعت عنه و لم تستمر وتسمى ظاهرة تسرب ، وفئة لم تنخرط نهائيا في العمل السياسي وتسمى ظاهرة عزوف.
و بما أن لكل ظاهرة أسباب ، فظاهرتي التسرب و العزوف لهما أسبابهما وسنحاول التطرق بإيجاز لكل ظاهرة على حدة .

التسرب :
هو كما سبق ذكره انقطاع وتوقف الشباب عن ممارسة السياسة بعد أن كانوا فاعلين فيها داخل أحزابهم ، أسبابه عديدة ومتداخلة نذكر منها :
– استعمال الأحزاب السياسية للشباب كرقم للتباهي في التظاهرات و اللقاءات الحزبية ، وحرمانهم من مواقع داخل الحزب يفرغون فيها طاقاتهم ويطورون وضعهم .
– استعمالهم في المحطات الانتخابية فقط كأصوات و منشطين ومديرين للحملات الانتخابية
– عدم تزكية الشباب في اللوائح عند المحطات الانتخابية حيث تكون التزكية بالمحسوبية ولأصحاب المال ” صحاب الشكارة ”
– تمسك القياديين بكراسيهم ومواقعهم لعقود ، مما ينتج عنه سحق كفاءات شابة ينتهي بها المطاف إلى التسرب .
– فقدان الشباب الأمل في التدرج داخل أحزابهم لانعدام الديمقراطية الداخلية لهاته الأخيرة
العزوف :
العزوف هو الزهد في الشيء وعدم الرغبة فيه ، وفي هاته الحالة يكون الشباب رافضا للعمل السياسي وزاهدا فيه بحيث لا ينخرط في أي حزب و النتيجة غيابه عن المشهد السياسي ،
و أسبابه عديدة نذكر أهمها و على سبيل المثال لا الحصر :
– فقدان الأحزاب للجاذبية و لآليات تستقطب بها فئات واسعة من الشباب للانخراط في العمل السياسي .
– المشهد السياسي الحالي وما اعتراه من تأزم ، حيث أضحى ميدانا للتسابق نحو المناصب و المصلحة الخاصة مما يؤثر سلبا على نظرة الشباب للعمل السياسي .
– تدني مستوى الخطاب السياسي و إغراقه في الشعبوية بسبب تبني الفرقاء السياسيين خطابا سجاليا مبنيا على التلاسن والتراشق بالألفاظ عوض الأفكار التي من شأنها فك معضلات عديدة يعرفها الوطن ، كانت له تداعيات على الرأي العام بصفة عامة وعلى الشباب بصفة خاصة من أهمها نفور الشباب من العمل السياسي، وعدم الثقة في الفاعل السياسي.
– عدم إشراك الشبيبة الحزبية في قرارات ومواقف مصيرية لأحزابها وحتى إن تم إشراكها يكون إشراكا صوريا فقط كون القرارات فوقية وليست ديمقراطية .
– فشل الحكومات المتوالية في تحقيق ما وعدت به أحزاب الأغلبية المكونة لها خلال حملاتها الانتخابية من عدالة اجتماعية و اقتصادية ومجالية أثر سلبا عليهم وجعلهم يفقدون الأمل و الثقة في الفاعل السياسي وبالتالي ينفرون من العمل السياسي و يلجئون للعمل الجمعوي ، لوعيهم بدور المجتمع المدني وتأثير مبادراته في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما جاء قي تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي المذكور أعلاه .
كل الأسباب السالفة الذكر وغيرها توحي بأن هناك معضلة ليست بالهينة يعرفها المشهد السياسي ، فغياب أو تغييب الشباب ليس بالأمر البسيط وتداعياته ليست في صالح الوطن لأنه بالشباب تنهض الأمم وتبنى الحضارات .
إذن على الأحزاب السياسية تدارك أخطائها وهفواتها لتعيد بناء الثقة و المصالحة مع الشباب ، ولن يتأتى ذلك إلا بتخطي كل السلبيات التي تحول دون انخراط الشباب في الحياة السياسية وتكون سببا في تسربهم من أحزابهم أو عزوفهم نهائيا عن العمل السياسي ، كما يجب على الأحزاب السياسية أيضا أن تعمل على تأطير الشباب وتكريس الديمقراطية الداخلية بفتح الفرص للكفاءات الشابة ، فالشباب هم مستقبل البلد وهم دعامته وهم الاستمرارية وهم شعلة الأمل . وخير ما أختم به المقال مقتطف من الخطاب السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 29 يوليوز 2018 بمناسبة عيد الشباب “….. والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها. إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها…..”.

مارية الشرقاوي: كاتبة وباحثة في قضايا النوع الاجتماعي


قبل مواجهة بركان.. صدمة جديدة تدفع جماهير اتحاد العاصمة لمهاجمة الاتحاد الجزائري

whatsapp تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب






انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية




زر الذهاب إلى الأعلى