إلى أين يسير حزب العدالة والتنمية؟

كان واضحا أن يصل حزب العدالة والتنمية إلى مرحلة المخاض التي يعيشها في الفترة الأخيرة، فالحزب الذي ولد من الحركة الإسلامية بكل تشعباتها، وقضى فترة دقيقة في علاقته بالدولة زمن إدريس البصري ورجالات الملك الراحل، وعاش طويلا في المعارضة، ثم انتقل إلى تدبير الشأن العام لعشر سنوات، وانتقلت قيادته من ابن كيران الشهير بقفشاته وصداميته، إلى سعد الدين العثماني الذي يجيد مسك العصى من الوسط، كل هذه الانتقالات لا ببد وأن يكون لها أثر، والاستقالات التي طبعت الحزب في الآونة الأخيرة، ليست إلا الوجه الظاهر للمرحلة غير المسبوقة التي يجتازها الحزب.

وإذا كان واضحا أيضا أن القضايا الطارئة كالتوقيع على الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي على وجه الخصوص،  أفقدت الحزب بعضا من توازنه الذي اشتهر به، فإنه في الجهة الأخرى من القواعد وباقي القيادات ومن خارج الأمانة العامة، هناك رأي آخر  سابق لآثار التوقيع الثلاثي وقد تم التعبير عنه في الدعوة لمؤتمر استثنائي وظهر جليا في الغضب الذي عرفته الدورة الأخيرة للمجلس الوطني للحزب.

لم تكن مؤسسة المجلس الوطني رحيمة بقادة الحزب في الأمانة العامة، وليس الاتهام بالتبرير والبراغماتية في التعامل مع القضايا التي تخدش هوية الحزب، سوى بداية مسلسل انتقادات قوية لم تنتهي، ويكفي هنا العودة إلى الكتابات التي صدرت مباشرة بعد المجلس الوطني، ليتبين الخيط الأبيض من الأسود في العديد من القضايا التي تراكمت على الحزب دون أن تحظى بالتقييم اللازم.

ولا بأس أن نتوقف عند إحدى تدوينات برلمانية الحزب أمينة ماء العينين التي دقت خلالها ناقوس الخطر، حينما كتبت تقول مباشرة بعد انتهاء أشغال المجلس الوطني الأخير :

“ـ تسجل مجموعة من النخب التقليدية داخل الحزب بطريقة مستمرة غضبها وامتعاضها من تفاعل شباب الحزب وحدة نقدهم لاختيارات وقرارات يعتبرون أنها غير سليمة، وقد تعددت المطالب بالتوقف عن التدوين والانتقاد خارج مؤسسات الحزب.

ـ تتسع الهوة يوما بعد يوم بين جيل من قيادة الحزب تجاوز الستين والسبعين سنة، وبين شباب العشرينات والثلاثينات، وهو أمر وجب الانتباه إليه. فالتشبيب يعاني من حالة انسداد، كما أن عملية التنخيب وإعداد الخلف تعاني من أعطاب يكرسها النموذج التنظيمي الذي يحتاج الى مراجعة، ذلك أن تقييما بسيطا لنموذجنا التنظيمي الحالي يقودنا الى خلاصة تتكرر دائما: لا يوجد بديل عن فلان، ولا يوجد بديل عن فلانة…هذه الخلاصات تعكس حالة نفسية عامة لا علاقة لها بالواقع، لأن البديل موجود دائما.
ـ لابد من التذكير أن قيادات الحزب ” التاريخية” التي تدفع اليوم بتهور الشباب وصغر سنهم وعدم تجربتهم، هي نفسها التي قادت الحركة الاسلامية وهيئاتها وأذرعها الجمعوية، وقادت تحولاتها الفكرية والسياسية تجاه النظام وتجاه المجتمع وقضاياه الشائكة وهي في سن شابة بين العشرينات والثلاثينات.
ـ الخلاصة أن الحل لا يكمن في تبني منظور استئصالي تجاه الشباب الغاضب أو خلق العداوة معه وجعله خصما وهميا داخل الحزب، الحل يكمن في مقاربات استيعابية بالمعنى الايجابي، قوامها التواصل والانصات والنقد الذاتي والكثير من التواضع والإقرار بالأخطاء عند وجودها، ففي السياسة لا أحد منزه عن الأخطاء مهما كان موقعه ومهما كانت تجربته”.
ويكفي التوقف قليلا عند الكتابات الحزبية المنتقدة هنا وهناك، ومنها التي تشير إلى نهاية تلك الدورة الحزبية التاريخية التي تفترض بداية مرحلة جديدة بعد تقييم فكري وسياسي وتنظيمي يفضي إلى تجديد النخب في قيادة الحزب!
ويتقاطع مثل هذا التوصيف مع ما جاء في رسالة استقالة إدريس الأزمي من رئاسة المجلس الوطني لحزب، فلنتابع:”ومهما كان حمل هذا القرار صعبا ووقعه وأثره – قرار تقديم الاستقالة – فلن يعادله في ذلك حجم التحمل الكبير والصبر الطويل ونحن نمني أنفسنا بأن هذه ربما هي الأخيرة وأنه عسى أن يستدرك الأمر في المرة المقبلة بالاستباقية المطلوبة وبالتحضير الجيد والنقاش الجدي والتشاركية اللازمة وبتحمل المسؤولية الكاملة والوضوح اللازم والموقف الشجاع، عوض المباغتة والمفاجاة والهروب إلى الأمام وتبرير كل شيء بكل شيء في تناقض”.

وهكذا يعاتب الغاضبين من العثماني غياب الاستباقية المطلوبة وبالتحضير الجيد والنقاش الجدي والتشاركية اللازمة وبتحمل المسؤولية الكاملة والوضوح اللازم والموقف الشجاع، ويتهمونه بالمباغتة والمفاجاة والهروب إلى الأمام وتبرير كل شيء بكل شيء في تناقض!

ولا بأس أن نعود مرة أخرى وأخيرة لرسالة الأزمي لتتبينوا حالة الإحباط التي يستشعرها على الأقل جزء من قيادات الحزب وقواعده :”لم يعد هناك مجال لقبول كل شيء ولتبرير كل شيء وللتهوين من الآراء المخالفة والاعتماد في كل مرة على المسكنات المبنية على عامل الزمن عوض الإشراك والإقناع، وعلى المهدئات المبنية على التبرير عوض تحمل المسؤولية من الموقع المتبوأ وفي الوقت المناسب وبالوضوح اللازم، وبالمضي إلى الأمام دون الالتفات إلى حالة الإحباط والفشل والانسحاب والسلبية التي قد تخلفها مثل هذه المنهجية وهذه المواقف على المناضلين والمناضلات وغيرهم، ودون الالتفات إلى من نتركهم أو نتخلى عنهم على الرصيف بمنطق أن القطار ماض إلى الأمام نزل من نزل، مستصغرين عددهم، وصعد من صعد، وبقي من بقي، غير آبهين بما ستؤول إليه الأمور بقطار قد يتوقف دون أن يصل أصلا أو بقطار قد يصل فارغا ودون محتوى وقد انفض”.

حزب العدالة والتنمية كباقي الأحزاب التي انتقلت من المعارضة إلى الحكومة، المعارضة بخطابها الذي قد يتجاوز كل الحدود، والحكومة التي تفترض تدبيرا جيدا للشأن العام، وفي كل الانتقالات لا بد أن يكون هناك أثر، خاصة وقد ظل ظِلُّ ابن كيران يرافق العثماني وإلى اليوم، لكنه قد يكون حزبا محظوظا إذا استخلص الدروس من تجارب الأحزاب التي قادت الشأن العام في عز الانتقالات الدقيقة، فهل يتمكن من ذلك؟ هل ستؤول الأمور بالحزب إلى قطار قد يتوقف دون أن يصل أصلا أو بقطار قد يصل فارغا ودون محتوى وقد انفض؟!.

انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى