أدوار القذافي وبومدين في استقطاب البوليساريو

إنها صفحة من الصفحات الدقيقة في تاريخ المغرب، ويحكيها شاهد عيان، امبارك بودرقة الشهير بعباس، والذي كان أحد قادة التنظيم السري في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو أيضا رفيق مصطفى الوالي السيد مؤسس البوليساريو، والذي كان قد التقاه في الجزائر سنة 1973، وسلمه وثيقة كتبها مؤسس البوليساريو بخط يده، يؤكد فيها مغربية الصحراء، فكيف انقلب الوالي السيد من وحدوي بروح وطنية إلى انفصالي؟ الجواب على هذا السؤال الهام نجد إجاباته الشافية عند بودرقة، وبالضبط في كتابه الذي صدر مؤخرا وعنوانه “بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة” .. فلنتابع:

 

عندما تحملت مسؤولية التنظيم بالجزائر، التقيت الوالي مصطفى السيد مع شاب آخر كان يرافقه، دار بيننا حديث عميق ومنتج، أبان فيه عن حس وطني وحدوي عال، وعن طموحه للتنسيق والتعاون معنا، وسلمني في هذا الشأن تقريرا مفصلا عن الأوضاع في الصحراء، وهو التقرير المذكرة التي كتبها الوالي السيد بخط يده، (ويؤكد فيها أن الصحراء إقليم كسائر الأقاليم المغربية الأخرى).

يقول عباس بوذرقة أن التنظيم هو الذي تولى سفر وإقامة الوالي السيد ورفيقه، ويضيف أنهم لم يكونوا على اتصال بعد بالمسؤولين الجزائريين بل كان التواصل والتنسيق مع التنظيم خلال هذه الفترة.

صرنا لاحقا نلتقي بين الفينة والأخرى، يضعنا على هامش هذه اللقاءت في صورة تحركاتهم الميدانية، ويخبرنا بنوعية وعدد مقاتليهم وعتادهم وبعملياتهم دون أن يبدي أي رغبة في فك الارتباط بيننا، أو روح انفصالية اتجاه الوطن.

وبعد أن طفت قضية الصحراء على السطح، وصارت مثار تجاذب في المنطقة، يقول عباس بودرقة، أرسل العقيد الليبي معمر القذافي أحد أبناء عمومته، يدعى العقيد محمد الكشاط، إلى الساقية الحمراء في جولة سرية استطلاعية، وعاد المبعوث ومعه سردية عجيبة داعبت مزاج العقيد، غازلت أناه، ووافقت هواه، مفادها أن له أجدادا في الساقية الحمراء، حيث سارع لاحتضان الوالي السيد وأغدق على الجبهة بالمال والسلاح والدعم اللامتناهي، استقطب جبهة البوليساريو إلى صفه، في زمن محكوم دوليا بالثنائية القطبية، وإقليميا بهوس القذافي بدعم حركات المعارضة والانفصال في مختلف البقاع، إذ كان يعتبر نفسه حليفة لجمال عبد الناصر، عدوا للرجعية والإمبريالية، المناصر لحركات التحرر العالمية.

بعد أن ركبت الجبهة موجة الانفصال، عقدنا لقاء مطولا مع وفد من الصحراويين برئاسة أحد قادتهم يدعى حبيب الله، في فندق الشاطئ بطرابلس، حذرناهم فيه من تلاعب السلطات الجزائرية ومناوراتها، وعرضنا عليهم تجربتنا معها طيلة عقد من الزمن.

نصحناهم بالانحياز لوطنهم والنضال من داخله، عوض تحكم الجزائريين فيهم، وتوظيفهم لخدمة أغراضهم. كانت رسالتنا إليهم واضحة « إن كنتم تطمحون لتحقيق الاستقلال واستعادة السيادة في قراركم ومصيركم، فبوضعكم لرقابكم تحت رحمة السلطات الجزائرية لن تنعموا بالاستقلال التام أبدا، بل ستستجيرون من نار فرانكو برمضاء بومدين».

ويجيب عباس بودرقة عن الأسباب التي أدت إلى تحول الوالي السيد من وحدوي إلى انفصالي: « تداخلت وتكاثفت جملة عوامل مفسرة لهذا التحول : العامل الأول عنوانه البارز هو معمر القذافي وإغراءاته ونزواته، والعامل الثاني يتمثل في فشل رهان هواري بومدين على الفقيه البصري والتنظيم السري، في تبني أطروحته المضرة بالمصالح الوطنية العليا للمغرب، بالإضافة إلى رفض محمد باهي عرضه بأن يكون زعيما للجبهة، والعامل الثالث، تبلور من وحي العاملين السابقين، فإعفاء القيادة الليبية للجزائر من تكاليف جبهة البوليساريو، جعلها تحتضن الوالي وجماعته، تقتات من جهدها في خدمة مصالحها، تاركة حماية جلدها ماديا للقذافي، وأذى أشواكها للمغرب.

يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أيضا ورقة الجغرافيا التي لعبتها الجزائر، يضيف عباس بودرقة، على اعتبار أن تندوف التي ظلت تاريخيا مغربية، حولتها خرائط الاستعمار إلى جزء من التراب الجزائري، وهو ما جعل مصيرها يقرر في قصر المرادية قبل أروقة الأمم المتحدة، مما يتيح للمسؤولين الجزائريين، التحكم التام في مصير ومسار وخيار الجبهة.

زر الذهاب إلى الأعلى