سياسة

على هامش الضريبة التضامنية .. حينما كانت ستفرض الضريبة على الثروة

كل الذين تابعوا المحاور الكبرى لمشروع قانون مالية السنة المقبلة، وخاصة في الشق المتعلق باستحداث المساهمة الوطنية أو الضريبة التضامنية التي سيتم العمل بها في السنة القادمة، لا بد وقد عادت بهم الأذهان إلى الضريبة على الثروة، والتي كانت مشروعا كاد أن يتم التوافق عليه في السنوات القليلة الماضية.

كل شيء بدأ في سنة 2011، وبالضبط في نهاية ولاية حكومة عباس الفاسي، حينما تواتر بشدة إمكانية لجوء الحكومة لفرض ضريبة على الثروة كما هو معمول به في بعض الدول، وذهبت النقاشات بعيدا حينما كاد الاتفاق يقع على أصحاب الثروات التي تفوق ملياري سنتيم الذين عليهم المساهمة سنويا بعشرة ملايين سنتيم، قبل أن يتوقف الموضوع ويتحول بأكمله إلى إمكانية إحداث صندوق للتضامن يدعم من خلاله الأغنياء الفقراء، على أن يتم تمويله من خلال فرق الدعم الذي يستفيد منه الأغنياء من صندوق المقاصة من بعض المواد المدعمة التي يفترض أن يستفيد منها الفقراء، مثل المحروقات.

كان الفريق الفيدرالي هو المبادر إلى اقتراح ضريبة على الثروة، وقد تمكن في لجنة المالية بمجلس المستشارين من تمرير هذا الاقتراح أنثاء مناقشة آخر مشروع قانون مالية في عهد حكومة عباس الفاسي، حيث وافق عليه عشرة أعضاء واعترض عليه تسعة نواب، قبل أن يتوقف المقترح ويعود النقاش إلى الصفر، خاصة بعد ضغط الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وكان رئيسه حينها محمد حوراني الذي حذر من الآثار السلبية لهذه الضريبة التي عانت منها حتى الدول الأوربية التي عملت بها لسنوات مثل فرنسا، والتي وإن حافظت على الضريبة على الثروة، على حد تقدير رئيس “الباطرونا”، إلا أنها راجعت نسبة المساهمة إلى مستويات متدنية، لدرجة بدت وكأنها بدون جدوى.

لم يشرح رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب الآثار السلبية للضريبة على الثروة، بناء على خلاصات التجارب الوطنية في الدول الأوربية، إلا أن الجميع فهم حينها أن أول هاته الآثار السلبية التي عانت منها دول أوربية هي تهريب الأموال إلى خارجها، حيث تضررت اقتصادات أوربية بشكل واضح ومؤثر.

كان اقتراح الفريق الفيدرالي احتساب واحد في المائة على كل ثروة تتراوح بين عشرة ملايين وأقل من ثلاثين مليون درهم، وواحد ونصف في المائة على كل ثروة تتراوح بين ثلاثين مليون إلى أقل من خمسين مليون درهم، ثم اثنين ونصف في المائة على الثروات التي تفوق خمسين مليون درهم.

ولم يتوقف اقتراح الفريق الفيدرالي على الضريبة على الثروات الشخصية، بل طالب بتوسيع مجال المساهمة بفرض الضريبة نفسها بنسبة واحد في المائة على الشركات التي تحقق ربحا صافيا يزيد عن عشرة ملايين درهم إلى أقل من خمسين مليون درهم، وواحد ونصف في المائة على الأرباح الصافية التي تزيد عن خمسين مليون درهم وأقل من مائة مليون درهم، واثنين في المائة على كل ربح صاف من مائة مليون درهم فما فوق.

لاشيء تقرر من كل هذه الاقتراحات، وتحول النقاش حول الضريبة على الثروة إلى جدل سياسي تتجاذبه المعارضة والأغلبية، كما هو الشأن بالنسبة لصندوق التماسك الاجتماعي الذي اقتُرح بديلا عن ضريبة الثروة، وبنسب ومعايير مساهمة متقاربة مع مقترحات الفريق الفيدرالي، وجال حينما ضمن خلاصات هذا الجدل استبعاد كل مفهوم للضريبة على الثروة سواء على الأشخاص أو الشركات، واستبدالها بمساهمة في صندوق التماسك الاجتماعي، بداية من سنة 2012.

اليوم، أعادت الضريبة التضامنية المقترحة في مشروع قانون مالية 2021 النقاش من جديد حول الضريبة على الثروة، واقترحت عدد من الأحزاب من المعارضة إلى الأغلبية التفكير من جديد في فرض ضريبة على الثروة للمساهمة سواء لتحقيق التماسك الاجتماعي في ظل الوضع الخاص الذي تجتاجه البلاد بسبب آثار “كورونا” الاقتصادية والاجتماعية، أو للتقليص من الفوارق الاجتماعية.

 

الفرق بين الضرية التضامنية والضريبة على الثروة يبدو شاسعا، الأولى ستفرض على الموظفين المدنيين بنسبة واحد ونصف في المائة من الدخول الصافية السنوية التي تصل إلى 120 ألف درهم صافية، كما ستفرض على الشركات التي يفوق ربحها الصافي  ما بين خمسة وأربعين مليون درهم بنسبة اثنين ونصف في المائة، على أن تتجاوز هذه النسبة ثلاثة ونصف في المائة إذا فاقت الأرباح الصافية أربعين مليون درهم، أما الضريبة على الثروة، فإنها تفرض على جزء من أصحاب الثروات الكبرى.

وإذا كانت التقديرات الأولية حول المداخيل المتوخاة من الضريبة التضامنية قد تصل إلى خمسة ملايير درهم، فإن الضريبة على الثروة لم يكن يُعرف حجم مداخيلها.

إلى الآن، ما يزال النقاش جاريا في المؤسسة التشريعية، بين الضريبة التضامنية، والضريبة على الثروة، فأيهما سيكون الأفضل للمرحلة التي تجتازها بلادنا؟ وهل تستطيع الأحزاب المطالبة بفرض الضريبة على الثروة تحقيق هذا المطلب؟ نعم؟ لا؟

الأيام القليلة المقبلة سيتضح كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى