السعيد: مجموعات العمل الموضوعاتية آلية فعالة في تقييم السياسات العمومية وقياس وقعها على الفئات المعنية

تتسم الولاية التشريعية الحالية 2021-2026 بزخم لافت على مستوى عمل لجان العمل الموضوعاتية بمجلسي البرلمان التي تنكب على تقييم الاستراتيجيات والسياسات القطاعية للحكومة ومناقشة قضايا ذات راهنية يفرضها السياقان الوطني والدولي، كما هو الحال ،على سبيل المثال، بالنسبة للأمن الغذائي والصحي، وتدابير ضبط أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية.

وأكد الباحث الاكاديمي والمحلل السياسي، عتيق السعيد، أن مجموعات العمل الموضوعاتية بمجلسي البرلمان تعد آلية فعالة في عمليات تقييم السياسات العمومية وقياس وقعها على الفئات المعنية وعلى المجتمع ككل.

وأبرز الباحث الأكاديمي أن المهام التي تضطلع بها المجموعات الموضوعاتية ترسم آفاقا واعدة أمام إمكانية إدخال التعديلات الملائمة والضرورية على البرامج والاستراتيجيات الحكومية في الوقت المناسب، وذلك من أجل ضمان حسن سيرها وإنجاحها.

وأشار في هذا السياق، إلى أن مقتضيات دستور 2011 شكلت محطة انتقال حقيقية في مجال الممارسة البرلمانية بالمملكة، بفضل الرؤية المتبصرة للملك محمد السادس، ودفعت بتأسيس برلمان جديد، إن على مستوى مكانته أو في نظامه أو في سلطاته، ولاسيما دوره في إرساء أسس ممارسته للوظيفة الجديدة التي أوكلها إليه الدستور والمتعلقة بتقييم السياسات العمومية، من خلال اعتماد المعايير المتعلقة بعمليات التقييم، وكذا عبر الاستفادة من الممارسات الدولية الفضلى والتجارب المقارنة في هذا المجال، تعزيزا لمسار تفعيل مبادئ الحكامة التي انخرط فيها المغرب من جهة، ومن جهة ثانية الحرص على احترام المقتضيات الدستورية المنظمة لمجال إعداد وصياغة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية ومرجعياتها وتراتبيتها على مستوى مختلف السلط والمؤسسات الدستورية.

وأضاف أنه تعميقا لدور البرلمان في مجال مراقبة الحكومة، تم تدعيمه دستوريا ليتولى مهمة تقييم السياسات العمومية من خلال إنجاز أبحاث وتحاليل دقيقة بهدف التعرف على نتائج السياسات والبرامج العمومية، وقياس آثارها على الفئات المعنية وعلى المجتمع وكذا الوقوف على مستوى الإنجاز الذي تم تحقيقه قياسا بالأهداف المرسومة، وتحديد العوامل التي مكنت من بلوغ تلك الأهداف، وذلك بغية إصدار توصيات وتقديم اقتراحات بشأن التحسينات التي يمكن إدخالها على السياسة العمومية موضوع التقييم.

وتطرق الباحث إلى المهام التي تضطلع بها مجموعة العمل الموضوعاتية والرامية الى إعطاء دفعة جديدة في المهام التقييمية للمؤسسة التشريعية، سواء في مجال تجميع المعطيات الأولية أو الاحصائيات الكفيلة بوضع تشخيص دقيق للقضايا المطروحة، أو إطلاق الأبحاث المحددة بشكل مسبق، وأيضا المصادقة على استنتاجات الأبحاث والدراسات، ووضع التوصيات والاقتراحات، وصياغة تقرير التقييم.

وأشار الى أن هذه المهام تشمل أيضا، إجراء المسوحات الضرورية في المجالات المطلوبة والاجتماع مع الأطراف المعنية بما في ذلك المسؤولين الحكوميين المركزيين وعلى المستوى الترابي وكل الفاعلين، مما يساهم في تيسير صياغة تقاريرها النهائية في أفق عرضها على جلسة عمومية، “وهي كلها مهام تدفع نحو تجويد الأداء البرلماني، وبالتالي تركيزه على تبني الفعالية والنجاعة في كل مخرجاته التشريعية والرقابية المحددة بالمرجعية الدستورية”.

وسجل الأكاديمي أن عمل مجموعة العمل الموضوعاتية، لا ينحصر في اشتغالها الداخلي فحسب، وإنما يمكن لرئيس مجلس النواب، بناء على قرار مكتبه أن يوجه، بشكل تلقائي أو بطلب من مجموعة العمل المكلفة بالتقييم، طلبا إلى إحدى هيئات الحكامة والمؤسسات الدستورية بحسب الحاجة، لإبداء الرأي أو إعداد دراسة أو بحث حول البرنامج العمومي موضوع التقييم، والتي تحال على مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالتقييم قصد فتح النقاش وتبادل الرؤى بين الأطراف المؤسساتية حول العديد من المواضيع ذات الصلة.

وأكد أن هذه المنهجية تساهم في تعزيز العمل المشترك بين المؤسسة التشريعية والمؤسسات الدستورية في مختلف المواضيع التدبيرية للسياسات العمومية وتجويد البرامج والمخططات الإصلاحية في مختلف المجالات، ذلك بغاية إصدار توصيات وتقديم اقتراحات بشأن التحسينات التي يمكن إدخالها على السياسة العمومية موضوع التقييم.

كما ساهمت اقتراحات الفرق والمجموعات النيابية، يضيف الباحث، في تمكين مجموعة العمل الموضوعاتية التي يوكل إليها تتبع إنجاز التقييم، من وسائل عمل تتيح لها مشاركة أقوى وأكثر مسؤولية في العمل البرلماني، “لاسيما تحديد رهانات التقييم وأسبابه وغاياته وكذلك نوعيته وكل الأسئلة التقييمية الجوهرية التي تؤطره، وبالتالي تمكين البرلمان من فرص لتبادل الخبرات والرأي الشامل لمختلف الأبعاد مع المختصين في تقييم السياسات العمومية، ما سيسمح للمجموعة الموضوعاتية بإجراء تقييم ناجع يرتكز على رؤية متكاملة في مختلف مجالاتها المحددة.

وشدد عتيق السعيد على أن التوجيهات الملكية السامية تعد في المقام الأول بمثابة مراجع أساسية لأعمال المجموعات الموضوعاتية، سواء من حيث التشخيص واقتراح مداخل الإصلاح البنيوي لمختلف المجالات بما يكفل أعلى درجات الفعالية المرتبطة بتقييم السياسات العمومية التي تكتسي أهمية بالغة، لكونها تسهم بشكل تشاركي في تحقيق الأهداف المسطرة في المراحل التنفيذية/الأولية، وبالتالي التدقيق في مدى استفادة المواطن من السياسة العمومية كما تم وضعها وتصميمها منذ البداية.

واعتبر أن عمل المجموعات الموضوعاتية في مجال تقييم السياسات العمومية يشكل، بهذا المعنى، حلقة أساسية في التشخيص ومعالجة الأوضاع، وتصحيح الأخطاء، وتقويم الاختلالات والوقوف على العوائق والصعوبات الواجب تداركها، “سواء تعلق الأمر بتسريع الإصلاحات الهيكلية أو إعادة النظر في طرق تدبير المشاريع والمخططات وكل القضايا الآنية”.

ويرى السعيد أن المؤسسة البرلمانية باتت اليوم بفضل جهود الملك الرامية الى تجويد الأداء البرلماني وجعله في خدمة القضايا الوطنية، “أكثر تركيزا على الإنتاج التقويمي والتقييمي من خلال مجموعات العمل الموضوعاتية التي تؤسس لنموذج مغربي مبني على تعزيز الديمقراطية وتقوية أسس التعاون الذي يستهدف التنمية البشرية، وبالتالي فهي تجسيد فعلي ارتبط بالإرادة الملكية الحكيمة للنهوض بأدوار البرلمان في مختلف السياسات الاجتماعية”.

وخلص إلى أن عمل المجموعات الموضوعاتية يساهم بشكل كبير في ترصيد حصيلة العمل البرلماني، واستشراف المستقبل التشريعي لمختلف القطاعات التي توجد في صلب رهانات مغرب المستقبل “تحقيقيا للانتظارات وتثمينا لثقة المواطنين في المؤسسة البرلمانية، وإعطاء المثل الأعلى في جعل الصالح العام فوق كل اعتبار”.


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى