لطيفة نفيل تكتب: البيعة كمقوم أساسي من مقومات سيادة الدولة المغربية على أراضيها الجنوبية

* بحث من انجاز الدكتورة لطيفة نفيل باحثة متخصصة في التواصل والإعلام

تعتبر البيعة في القانون الإسلامي أساس الشرعية السياسية التي تتمتع بها الدولة في علاقتها بالجماعة، أو الجماعات التي تدخل ضمن سيادتها، وذلك لأنها تعد بمثابة تعاقد بين الجماعة والسلطة التي تمثلها، انطلاقا من معايير واضحة يقبل بها الطرفان المتعاقدان، ومن المؤكد تاريخيا، أن الدولة المغربية منذ تأسيسها على يد الأدارسة عام 788/974م استلهمت روح القانون الإسلامي، الذي يربط أسس الشرعية السياسية بالبيعة، باعتبارها معيارا أساسيا يؤكد مشروعية أي نظام سياسي أو ينفيها.(27).

البيعة طريقة للشرعنة، تستمد تأثيرها وقيمتها، لا اعتبارا لمضمونها التعاقدي، ولكن لأنها تمثل ارتباطا وبعثا للنموذج الذي أقيمت عليه السلطة الإسلامية الأصلية، ولذلك فإن استلهام روح هذه السلطة الأصلية، هو الذي يعطي للبيعة قيمتها وفعاليتها، ومن هذا المنظور، حضرت البيعة في تاريخ المغرب السياسي، لأكثر من 12 قرنا، وعبر هذا الأسلوب السياسي، الذي يستمد قوته من روح القانون الإسلامي، فاستطاع المغرب أن يستمر كدولة كاملة السيادة، رغم توالي الأنظمة الحاكمة، من الأدارسة وحتى العلويين.
تمكن المغرب طوال هذه القرون، من تثبيت أسس الاستقرار والأمن في منطقة شاسعة، امتدت خلال بعض الفترات التاريخية، حتى أعماق إفريقيا، بل وامتدت سلطة المغرب إلى الأندلس، خلال العهدين المرابطي والموحدي، وقد تم تأسيس نظام البيعة في المغرب، وفق قواعد محددة، بحيث احتفظ المغرب بنظام خاص لبيعة ملوكه، وفق منهج متميز في التنصيب، ولعل أهم أوجه هذا التميز، هو اعتماد تقنية العقد المكتوب، حيث يتم تدوين عقد البيعة، على طريقة تحرير العقود، في أسلوب أدبي يتضمن قواعد البيعة، وأركانها، والتزامات الطرفين المتعاقدين، بحيث تذيل بتوقيعات لمختلف الطبقات والفئات، مع الإشهاد على ذلك، والإقرار به. (28).

لقد أسهب المؤرخ المغربي عبد الرحمان ابن زيدان في كتابه: “العز والصولة في معالم نظم الدولة”، في التعريف بخبايا هذا النظام السياسي القائم على أساس البيعة، علما أنه نظام عرف تطورا كبيرا خلال العصر الحديث، في إطار الملكية الدستورية، التي نص عليها الدستور المغربي سابقا، وقد كان هذا التطور نتيجة حتمية للنضال، الذي قادته النخبة المغربية، منذ مرحلة القرن التاسع عشر، واستمرارا مع الحركة الوطنية، التي قادت نضالا خارجيا، من أجل تحرير الوطن من رقبة الاستعمار، وداخليا من أجل ربح رهان دولة القانون والمؤسسات، وهو التطور، الذي عرفه نظام البيعة في تاريخ المغرب السياسي، مرورا بمرحلة القرن التاسع عشر، التي تعد كمرحلة انتقالية، عرف خلالها المغرب تحولات جذرية في توجهاته، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا.(29).
تثبيتا للحضور المغربي في الصحراء، وبشكل سيادي، كما تؤكد على ذلك الوثائق التاريخية، فإن المغرب كان حريصا على إضفاء الشرعية على هذا الحضور، وذلك من خلال الارتباط مع قبائل الصحراء، بعقود بيعة التي تم إبرامها عبر التراضي، بين سلاطين المغرب، وممثلي القبائل الصحراوية، ويمكن في هذا الصدد التمثيل فقط، ببعض النماذج كبيعة قبائل أهل الساحل، ودليم، وبربوش، والنغافرة، ووادي مطاع، وجرار، وغيرهم، للمولى إسماعيل، وكان ذلك عام 1089ه، عندما دخل صحراء السوس، فبلغ أقا، وطاطا، وتيشيت وشنجيط، وتخوم السودان، وقد تزوج آنذاك المولى إسماعيل الحرة خناثة بنت الشيخ بكار المغفري، كما أن بيعة أهل توات للسلطان عبد الملك بن مولاي إسماعيل سنة 1140ه، وبيعة للسلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام بمبادرة أحد الشيوخ الأعلام من صحراء شنكيط، وهو ابن طوير الجنة الطالب أحمد المصطفى الشنكيطي التشيني الوداني.
مبايعة مولاي عبد الرحمان أيضا من الشيخ المختار الكنتي الحفيد ابن محمد بن المختار، مذكورة في كتب التاريخ، وكذا بيعة لمولاي عبد الرحمان أيضا للشيخ أحمد البكاي بن محمد بن المختار الكنتي، وكذا بيعة السلطان محمد الرابع من إمام تندوف الشيخ محمد المختار ابن الأعمش الجنكي، وفيها يعلن عن بيعة الإقليم للسلطان العلوي محمد الرابع، هذا بالإضافة إلى بيعات الشيخ ماء العينين إلى السلاطين المغاربة، والذي كانت علاقاته بالحكومة الشريفة على أحسن وجه، ذلك أنه كان يعتبر فيما بين سنتي 1888 و1900 نائبا للمخزن في الصحراء، لا فرق بينه وبين نواب السلطان في مراكش، ومكناس وتافيلالت.(30).

إن عنصر البيعة الاسلامي والتاريخي ظل دائما من أقوى عناصر الارتباط بين ملوك المغرب ورعاياهم، بل كان حجة دامغة أعطت المغرب الشرعية التاريخية والقانونية على صحرائه، وإدراكا من المستعمر الاسباني آنذاك، بكونه مقبل على صراع عنيف، بخصوص وجوده في الأقاليم الصحراوية، ومن أجل حماية أطماعه في الثروات الطبيعية في المنطقة، شرعت إسبانيا في تشجيع المد الانفصالي بالأقاليم الجنوبية، بالشكل الذي يتعارض وحقوق المغرب على أقاليمه الصحراوية، وفي مواجهة هذه المناورات الاستعمارية، التي كانت اسبانيا تحيكها من أجل تعطيل استقلال الأقاليم الصحراوية، لرفض البيعة كمقوم أساسي لإثبات سيادة المغرب على صحرائه، مع بداية بوادر النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، إلا أن قضاة محكمة العدل الدولية في لاهاي، لم تنطو عليهم الحيلة الإسبانية الجزائرية، بل إن الوثائق التاريخية، أرغمتهم على الاعتراف بعلاقات حضارية ودينية، قائمة بين المغرب وامتداده الصحراوي، مع تركيزهم على مقوم البيعة، كعنصر أساسي في هذه العلاقات.
حينما تقدم المغرب إلى محكمة العدل الدولية، بتوجيهاته حول مقومات السيادة على صحرائه، نبه قضاة المحكمة للأخذ بعين الاعتبار، إلى أن المملكة المغربية تؤكد على وجود روابط سيادة بالصحراء المغربية، نابعة من حيازة تاريخية للإقليم، حيث وضعت محكمة العدل الدولية في لاهاي في الحسبان الهيكلة الخاصة للدولة المغربية، في تلك الحقبة التاريخية، بعدما أصدرت رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975، والذي أكدت فيه أن الصحراء لم تكن عند احتلالها من قبل الإسبان أرضا خلاء لا مالك لها، كما اعترفت بوجود روابط قانونية، وعلاقة ولاء “بيعة” بين بعض قبائل الصحراء، وسلاطين المغرب، واستند المغرب على رأي محكمة العدل الدولية.

التوجيهات التي قدمها المغرب للمحكمة الدولية، طرحت بدورها على طاولة قضاة المحكمة الدولية إشكالا جوهريا وجب أن يأخذوه بعين الاعتبار، وهو إشكال يعود إلى المراحل التاريخية الأولى، التي أقام خلالها المغرب علاقة شرعية بامتداده الصحراوي، وقد تحكمت البيعة، باعتبارها مسوغا قانونيا، في شرعية هذه العلاقة، بحيث تؤكد الوثائق التاريخية أن ملوك المغرب، أولوا أقاليم الصحراء أهمية بالغة، وارتبطوا مع القبائل الصحراوية، بعقد البيعة الشرعية، التي كانت تمكنهم من الإشراف المباشر على هذا الجزء من التراب المغربي، ولذلك فإن علاقة الدولة المغربية بالأقاليم الصحراوية متجذرة في التاريخ، وازدادت متانة مع ظهور الأطماع الاستعمارية.(31).
إن الأهمية البالغة التي يحظى بها عنصر البيعة، كمقوم من مقومات سيادة المغرب على أراضيه، التي تبقى الأقاليم الجنوبية جزء لا يتجزأ منها، لتظل أحد أهم الأسباب، التي دفعت بمجموعة من القوى الحية بالمغرب، للمطالبة بضرورة الاعتماد على الوثائق التاريخية، كحجج قوية على شرعية المغرب في صحرائه، على اعتبار أن ما يتوفر عليه المغرب من وثائق تاريخية كفيلة بتقوية الموقف المغربي في قضية الصحراء، كما يبقى على الدبلوماسية الرسمية اعتمادها كقرائن تاريخية، وهي الوثائق التي يوجد عدد هام منها في دول مثل بريطانيا.(32).

(27) ـ جنداري، إدريس:” قضية الصحراء المغربية بين شرعية الانتماء المغربي والتحديات الإقليمية والدولية”، www.hespressmaroc.com/opinion/10.
(28) ـ جنداري، إدريس:” قضية الصحراء المغربية بين شرعية الانتماء المغربي والتحديات الإقليمية والدولية”. www.hespressmaroc.com/opinion/10.
(29) ـ نفس المصدر السابقwww.hespressmaroc.com/opinion/10.

(30) ـ المصدر الأصلي: عبد الحق، ذهبي: “نزاع الصحراء.. والشرعية الدولية”.

(31) ـ نفس المصدر السابق.

(32) ـ بلقاسم، محمد: “أكاديميون:الدبلوماسية المغربية مطالبة بالتركيز على الوثائق التاريخية في قضية الصحراء”، جريدة التجديد، العدد الصادر بتاريخ الثلاثاء 14 / 01 / 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى