أجندات التنظيمات النسائية.. لماذا لا تحظى بالقبول والشعبية في المغرب؟

بالعربية LeSiteinfo - لوسيت أنفو كوم

بقلم إلياس بوزغاية*

غالبا ما يحتفظ المغاربة بصورة نمطية عن التنظيمات النسائية، مضمونها أنها ليست سوى تجمعات لنساء معظمهن عانسات أو مطلقات، يعملن من أجل تدمير الأسرة ونشر الإباحية ويناضلن من أجل تكريس حرية التصرف في الجسد. رغم أن هذه الصورة مغرضة وغير صحيحة تماما، فإن للمواطن المغربي الحق في معرفة أجندات هاته التنظيمات وأثرها في المجتمع.

لماذا تعبر التنظيمات النسائية عن مواقفها في بعض القضايا، في حين تَحْجُم عن أخرى؟ ما هي المعايير المعتمدة في أجنداتها للتحرك والاحتجاج في قضية حنان “بنت الملاح”، مثلا، وعدم الخروج في قضية الفتاة القاصر ذات 14 سنة التي اغتُصبت بمراكش، وأفْلت مغتصبها الكويتي من العقاب؟ لماذا عبَّرت عدّة تنظيمات نسائية عن دعمها لحملة الجنس الرضائي وتغيير القانون الجنائي، ولم تعبر عن تضامنها مع النساء “الحمّالات” في معبري سبتة ومليلية؟ ما نصيب النساء اللواتي يقاسين في ثلوج جبال الأطلس من التضامن، مقارنة بالنساء اللواتي يطالبن بحرية الجسد، وإيقاف التحرش الجنسي والعنف المبني على النوع؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، من الضروري عدم وضع كل التنظيمات النسائية في سلة واحدة. فإذا كان الهدف المشترك لهذه التنظيمات هو الدفاع عن حقوق المرأة، فإن ذلك يتم من خلال مرجعيات ومقاربات مختلفة. فعلى المستوى الإيديولوجي، هناك تيارات تمتح من المرجعية الكونية، مُمَثلة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؛ وأخرى تعتمد على الشريعة الإسلامية والقيم الوطنية، وهذا الاختلاف في المرجعيات يؤدي إلى اختلاف في المقاربات والآليات المعتمدة.

إلى جانب التيارات الإيديولوجية النسائية، هناك جمعيات وتعاونيات مستقلة، تستهدف النساء من خلال خدمات ومساعدات ذات طابع إنساني واجتماعي. هناك أيضا نوع آخر من العمل النسائي يتمثل في الكتابات الأكاديمية، سواء كانت موجهة بأجندات معينة أم لا. ويبقى في المحصلة أن تنوع التنظيمات النسائية من حيت التوجهات الإيديولوجية أو المجالات العملية، لا يُعفي من المساءلة عن مدى تأثيرها وانشغالها بقضايا النساء في المجتمع المغربي.

قمنا ببحث استقرائي لمضمون ستة مواقع إلكترونية للتنظيمات التالية: الجمعية الديموقراطية لنساء المغرب؛ اتحاد العمل النسائي؛ فدرالية رابطة حقوق النساء؛ منتدى الزهراء للمرأة المغربية؛ منظمة تجديد الوعي النسائي؛ موقع مؤمنات وصفحة نساء العدل والإحسان.

نتائج هذا البحث خلُصت إلى وجود كم كبير من الموضوعات وآليات العمل التي يمكن تصنيفها على النحو التالي:

على مستوى القضايا:
تطغى الموضوعات ذات الطابع الحقوقي والتشريعي على أعمال الجمعيات النسائية ذات التوجه العلماني (المقصود بالعلمانية هنا هو عدم اعتماد المرجعية الدينية كأساس لمعالجة القضايا النسائية، بل على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان)، وتركز غالبا على مفهوم المساواة الكاملة والانتصار للمرأة، وأبرز القضايا التي تتناولها هي: العنف المبني على النوع، زواج القاصرات، تعديل القانون الجنائي ومدونة الأسرة بما يضمن مزيدا من حقوق المرأة. من أمثلة ذلك الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها بعض الجمعيات النسائية العلمانية، تنديدا بقتل الشابة حنان (يوليوز 2019)، والندوة الصحفية التي تم عقدتها للتنويه بالأحكام الصادرة في حق القاتل، والتحفظ على استمرار النطق بالإعدام. وكذلك دخول إحدى الجمعيات على خط قضية ليلى، التي كانت على علاقة مع أحد المحامين المتزوجين، واعتبارها ضحية التغرير بقاصر وضحية الفصلين  491و492 من القانون الجنائي.
أما بالنسبة للجمعيات النسائية ذات التوجه الإسلامي، فإن موضوع الأسرة والتماسك الأسري، يهيمن على معظم المواضيع المتناولة، ولذلك لم يكن غريبا أن نجد من ضمن مستجدات أخبارها، تنظيم ندوة حول “الأسرة والنموذج التنموي المأمول”، وتوقيع كتب تتناول قضايا أسرية مختلفة، بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الجمعيات تحتفي بإنشاء مزيد من مراكز الإرشاد الأسري التي تستقبل النساء، وتجري محاولات للصلح بين الأزواج، تجنبا لتفكك الأسرة، ويتم في هذه المراكز تنظيم تكوينات حول مواضيع مثل آليات وتقنيات الترافع والتبليغ عن العنف، ودعم المشاركة السياسية للمرأة، كما يتم تأطير النساء دعويا في مواضيع تزكية النفس.
على مستوى الشعارات والأشكال النضالية:
يتجسد العمل النسائي في عدة أشكال أهمها الاحتجاجات، والحملات التحسيسية، والأنشطة التكوينية والندوات؛ وغالبا ما تحمل كل هذه الأشكال شعارات معبرة مثل: “شنو قصتك (مع العنف)”، “جسدي حريتي”، “باركا من التحرش الجنسي”، “المساواة علاش لا؟”، “من أجل مساواة فعلية”، “نتقاسمو شقا الدار”، ”نساء من أجل مشاركة مواطنة”، “جميعا من أجل أسرة مستقرة ومتماسكة”، “مضربوش”!!!، “نغرس قيما ..نغير عادات”… يمكن القول إن هذه الشعارات تشكل أبرز الأجندات والأولويات التي تقود تحركات التنظيمات النسائية بمختلف توجهاتها، وغالبا ما يتم التعبير عنها من خلال المرافعات القانونية والتأطير المجتمعي، والضغط على صناع القرار.
رغم أن هذا الجرد يشير إلى وجود دينامية وعمل نسائي مهم ومتنوع، إلا أن المُتَتبّع يمكن أن يلاحظ ضعفا في شعبية الحركات النسائية، إن لم نقل تحاملا عليها. وقد يرجع السبب في ذلك إلى كون موضوع المرأة يكتسي حساسية ثقافية في المجتمع المغربي، كما أن معظم قضاياها تدخل في إطار الخصوصية الأسرية. لكن يبقى التساؤل مطروحا حول ما يريده المغاربة من هذه التنظيمات، وما الأدوار التي ينبغي أن تقوم بها.

عموما يمكن القول أن طبيعة المواضيع وأشكال النضال الممارسة من طرف التنظيمات النسائية غالبا ما تساهم في إضعاف شعبيتها وتشكيل نظرة عدائية تُجاهها. بمعنى آخر، هناك اتجاهين يطبعان هذه المواضيع والنضالات بما لا يحقق النتائج الإيجابية المبتغاة: الاتجاه الأول ينحو إلى معالجة قضايا نسائية مستهلكة، بآليات وطرق تقليدية لا تصنع فرقا أو تأثيرا كبيرا في المجتمع، وبالتالي لا تحصل معرفة بها من خلال الواقع أو الإعلام، والاتجاه الثاني يميل إلى اختيار مواضيع صادمة تدخل ضمن الطابوهات، وأشكال نضالية غير مقبولة عند شريحة كبيرة من المجتمع، وبالتالي تكون جالبة للسخرية والتهكم بشكل يزيد من تكريس الصور النمطية المرتبطة بالمدافعات عن حقوق المرأة (les féministes).

إلى جانب هذا، فإن غض الطرف عن بعض القضايا النسائية وإثارة أخرى، ينم عن وجود انتقائية متعمدة، تمارسها هذه التنظيمات. فقضية الفتاة القاصر ذات 14 سنة التي اغتصبها مواطن كويتي في مراكش، وتوبع في حالة اعتقال، قبل أن يُفرج عنه بكفالة قيمتها 30 ألف درهم، وفرّ إلى بلده، لم تحظَ بنفس الإدانة والاحتجاج والغضب، الذي حظيت به قضية اغتصاب وقتل الشابة حنان التي أدين مغتصبها بالإعدام (رغم أن القضيتين أُثيرتا لدى الرأي العام).

إن هذه الانتقائية، تعبر عن وجود أسباب خفية، قد تكون مرتبطة بمصالح لا يراد لها أن تُمَس، أو جهات لا يراد لها أن تُذكر، ونفس الشيء يمكن قوله عن تجنب الحديث عن “الحكرة” والمهانة التي تعيشها النساء في معبري سبتة ومليلية، وفي جبال الأطلس كل سنة.

كخلاصة، إن ضعف شعبية التنظيمات النسائية مرتبط بضعف قدرتها على التجاوب مع انتظارات المواطن المغربي، وهذه الانتظارات هي نفسها المتوخات من الأحزاب السياسية: امتلاك الجرأة والقدرة على الدفاع عن المستضعفين في وجه الأقوياء.

*  إلياس بوزغاية: طالب دكتوراه باحث في مجال حقوق المرأة والحركات النسائية

‎مقالات ذات صلة

Facebook Comments

إقرأ أيضا