محمد باباحيدة يكتب: كيف يُدير المشاهير أزماتهم في الإعلام والشبكات الاجتماعية؟ نانسي عجرم ودنيا بطمة نموذجاً

بالعربية LeSiteinfo - لوسيت أنفو كوم

الشّهرة في مجالات الفن، والرياضة، والسياسة وغيرها، تُلزم صاحبها بمعرفة إدارة القضايا التي تهمّ مساره المهني، وأيضاً ما يتعلّق بحياته الخاصة، على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لأن حياة الشهرة، شئنا أم أبينا، تُصبح، في جزء كبير منها، ملكاً للجمهور، يتداول فيها كيفما شاء، وهو ما قد ينتج عنه إشاعات، تكون صغيرة في البداية، ثم تنمو وتكبر مثل كرة الثلج، كلما طال أمد قضية ما، تتعلّق بحياة أحد المشاهير.

والجمهور له الحقّ في ذلك، مادام أنه يُساهم، بشكل أو بآخر، في صعود نجومية الفنانين والرياضيين والسياسيين وغيرهم، بل إن أحد أكبر مقاييس الشهرة، هو كم أعداد الجمهور والمُتابعين، إلى جانب معيار أساسي آخر، هو علاقة الشهير بوسائل الإعلام والصحافة، إذ إن هؤلاء بإمكانهم أن يساهموا في بزوغ شخص مغمور، أو تدمير مسار شخص مشهور وإعادته إلى الوراء.

يُتابع الرأي العام العربي عموماً، بما فيه الجمهور المغربي، قضيتين تتعلّقان بالمغنيتين الشهيرتين، اللبنانية نانسي عجرم، والمغربية دنيا بطمة. الأولى، لكون زوجها قتل شخصاً رمياً بالرصاص بعدما حاول سرقة بيته، والثانية للاشتباه في تورّطها في قضية ما بات يُعرف إعلامياً وقضائياً، بملف “حمزة مون بيبي”، الحساب على إنستغرام المُتخصص في نشر أخبار و”فضائح” المشاهير.

القضيتان معاً، لهما بُعدَيْن، الأول قضائي، تجري أطواره داخل المحاكم ومخافر الشرطة من أجل التحقيق، وهذا عمل رجال الشرطة والمُحققين والقضاة؛ والثاني إعلامي/تواصلي، يتعلّق بالكيفية التي دبّرت كل واحدة منهما حملتها التواصلية مع وسائل الإعلام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بحكم أن المغنيتين مشهورتين على نطاق واسع، بغض النظر عن رأينا في نوع الفن الذي تُقدّمه كل واحدة منهما. وبحكم التخصص، سأتحدّث فقط عن الشّق التواصلي/الإعلامي.

في قضيتي المغنيتين، نانسي عجرم ودنيا بطمة، ظهرت اختلافات كثيرة في كيفية إدارة كلّ واحدة منهما لقضيتها على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، للتواصل مع جمهورها، من خلال تقديم كل واحدة لروايتها في القضية التي تعنيها. وهذا الاختلاف في إدارة الحملة الإعلامية/التواصلية أدى إلى اختلاف في النتائج التي جنتها كل مغنية على حدة.

في قضية نانسي عجرم، الأمر يتعلّق بقضية قتل تورّط فيها زوجها، ورغم أن الادعاء العام في لبنان قرّر متابعته في حالة سراح، بعد اعتقاله لثلاثة أيام، إلا أنه لم يُدلِ بأي تصريح لوسائل الإعلام، لكون القضية ما تزال قيد التحقيق، فخرجت نانسي بتصريحات من داخل بيتها، حيث استقبلت العديد من وسائل الإعلام، وقالت إن الأمر يتعلّق بقضية دفاع عن النفس، لكون الضحية كان مُسلّحاً (تبين فيما بعد أنه سلاح مُزيف)، وأن زوجها لا يعرف كيفية استخدام السلاح رغم توفره على رخصة لذلك، إلى غير ذلك من المُبررات التي دافعت بها عن زوجها، لتختم في الأخير بتقديم التعازي لأسرة القتيل.

على مستوى اللغة، تحدّثت المغنية اللبنانية، بلغة سلسلة وواضحة، وأفكار متسلسلة لبضع دقائق فقط، دون الخروج عن الموضوع، ولا الحديث عن كونها تتعرض لمؤامرة بسبب شهرتها، أو أن خصومها ومنافسيها يسعون للإيقاع بها وبأسرتها، بل فقط رَوَت ما حدث من وجهة نظرها، مع التأكيد على أن الأمر يتعلّق بحياتها الخاصة وليس بحياتها الفنية. وعندما سئُلت عمّا راج في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، عن كون الضحية قُتل لأنه سوري، ردت بجواب دبلوماسي، بالقول إنها وزوجها، يتعاملان مع الناس على أساس إنسانيتهم وليس لأي اعتبار آخر، ديني أو سياسي أو عرقي.

أما على الشبكات الاجتماعية، لم تَخُض المغنية نانسي عجرم في الموضوع كثيراً، بل اكتفت بنشر تدوينة وحيدة قصيرة جدّاً على حسابها على إنستغرام، تشكر الذين اتصلوا أو سألوا عنها وعن أسرتها ليطمئنوا عليهم بعد الحادث، بينما نشر حساب آخر على إنستغرام، يشرف عليه مدير أعمالها، بلاغاً على شكل تعليقات يروي قصة الحادث، بنفس الصيغة التي جاءت على لسان المغنية أثناء حديثها مع وسائل الإعلام.

بهذا ضمنت المغنية اللبنانية، تعاطف الجمهور معها ومع أسرتها، من جهة، وحافظت على علاقاتها بالقنوات التلفزية ومختلف وسائل الإعلام، اللبنانية والعربية، التي بدأت تروّج للعديد من التقارير التي تصبّ في اتجاه أن ما قام به زوج نانسي عجرم، كان فقط بدافع غريزة الدفاع عن النفس وعن الأسرة والأطفال، وبالتالي، بث رسائل عديدة ترسخ فكرة التعاطف لدى الرأي العام، رغم أن القضية ما تزال قيد التحقيق.

أما في قضية المغنية المغربية دنيا بطمة، فكان الأمر مختلف تماماً، في كيفية إدارتها لحملتها الإعلامية/التواصلية، إذ إن أول ما قامت به، أنها رفضت إعطاء تصريحات للصحافيات والصحافيين الذين كانوا بانتظار خروجها من جلسة التحقيق الأمني بمدينة الدار البيضاء، ولم تكتفِ بذلك، بل وجّهت لهم بعض عبارات السب والشتم، كما أظهرت ذلك بعض مقاطع الفيديو، وبهذا خسرت المغنية المذكورة معركتها على وسائل الإعلام. في حين كان من الممكن أن تقف أمامهم وتُعطي تصريحاً مُقتضباً بلغة دبلوماسية، قد تقول فيه إن التحقيق ما يزال جارياً، وأنها لا يمكن الإدلاء بأي تصريح احتراماً للأمن والقضاء، وتشكر وسائل الإعلام والصحافيين على الاهتمام بأخبارها، سيئة كانت أو جيدة. لكنها لم تقم بذلك، مما دفع العديد من المواقع الإلكترونية، إلى البحث في أخبارها القديمة والجديدة، والتركيز على كل ما يمكن أن يُشوّه صورتها ومسارها الفني. وهذا من حق الإعلام، عندما يتعرّض للإهانة أو عدم المُعاملة باحترام من طرف المشاهير.
بعد ذلك، خرجت المغنية المغربية، بالبث المُباشر على إنستغرام، تحدّثت لمدة طويلة، أزيد من ساعة، عن القضية.

على مستوى اللغة، طغت لغة المؤامرة في حديثها عن هذه القضية، كما أنها استعملت كثيراً عبارات دالة عن الرغبة في الصراع مع الخصوم، وذكرت بعضهم بالإسم، بخطاب قد يُرسخّ بشكل جليّ لدى المتلقي، أن هذه المغنية تتحدّث بتعالي مُفرط وبنوع من النرجسية، وعلى مدى ساعة كاملة تحدّثت في العديد من الأمور والأشخاص، إلا أنها لم تتحدث عن القضية التي ينتظر منها جمهورها الحديث فيها. وبالتالي خسرت الكثير من رصيدها لدى هذا الجمهور.
في كلّ المجالات، الرياضة، والفنّ والسياسة، وغيرها، تكون الموهبة مهمّة من أجل تحقيق الانتشار والشّهرة، لكن امتلاك موهبة وحده لا يكفي، من أجل ضمان الحفاظ على السّمعة، لذا يحتاج المشاهير، أشخاصاً ومؤسسات، إلى الاستعانة بأشخاص متخصصين في إدارة الأزمات والتواصل، والتقيّد بنصائحهم وتوجيهاتهم، من أجل تفادي الارتجال وارتكاب الأخطاء المتتالية.

شخصياً، لستُ مهتمّا كثيراً بالمجال الفني، ولا أتابع أخبار الفنانين، لكن يهمني أن أتابع كيف يُدير المشاهير، أشخاصاً ومؤسسات، من شتى المجالات، حملاتهم التواصلية، على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن هذا المنطلق جاءت الرغبة في كتابة هذا المقال.

‎مقالات ذات صلة

Facebook Comments

إقرأ أيضا

قضية “حمزة مون بيبي”.. سميرة الداودي في ضيافة الفرقة الوطنية

قضية "حمزة مون بيبي".. سميرة الداودي في ضيافة الفرقة الوطنية