محمد حفيضي يكتب: “إلتشابو” الفقيه بن صالح

بالعربية LeSiteinfo - لوسيت أنفو كوم

معظمكم له دراية بقصة “إلتشابو”، أكبر تاجر مخدرات في العالم، انطلقت أنشطته الإجرامية في التسعينات، وكانت البداية من قرية نائية، في جهة “سينالوا” المكسيكية.

انتشرت مخدراته في كل بقاع العالم، وكانت السوق الأمريكية هدفه الأول، إذ تم تهريب ما يزيد عن 500 طن من الكوكايين حسب إحصائيات 2014.

هذا الوضع جعل “إلتشابو” يراكم ثروة تقدر بملايير الدولارات الأمريكية، وصنفته مجلة “فوربس” الشهيرة ضمن الشخصيات الأكثر ثراء في العالم.

منذ التسعينات إلى غاية عام 2016، عثا إلتشابو فسادا في أرض المكسيك، وفر مرتين من سجونها، بعد إرشاء بعض مسؤوليها.

تجول وانتقل كما يريد، سافر جوا وبرا وبحرا، عاش حرا طليقا رغم اتهامه بتهريب المخدرات والقتل وغسيل الأموال واغتصاب القاصرات وزعزعة استقرار البلاد…

ثروته تضاعفت، وسلطته تزايدت، فمول الحملات الانتخابية، واشترى صمت المعارضة.

الرشاوى التي قدمها “إلتشابو” طوال سنين، أنهت مطاردته وخلقت له مصادر داخل مكاتب السلطة، إذ كان يتوصل بكل تحركات المخابرات ورجال الأمن، الذين كانوا يحاولون القبض عليه، ووضع حد لجرائمه.

إنهاء كابوس “إلتشابو” المكسيك، لم يكن بالمهمة الصعبة، فاعتقاله لن يكلف دقيقة، ودون إطلاق رصاصة، لكن بعض صناع القرار في ذلك الوقت، كانوا المستفيد الأول من أرباحه وخدماته.

الفساد المستشري في دوائر الدولة العميقة، جعل “إلتشابو” يستفيد من الحماية ويحظى بالرعاية، فكل من اغتنى من أمواله، كان مجبرا على مساعدته.

اللعبة التي جمعت صناع القرار الفاسدين بإلتشابو، انتهت بانتهاء زمن المصالح، ليجد هذا الأخير نفسه محاصرا من طرف أصدقاء الأمس ومؤيديه السابقين، الذين تحولوا فجأة إلى أعداء، يسعون لتطبيق القانون ومحاسبة الجناة، وتنظيف الوطن من المفسدين والمجرمين.

بتاريخ 8 يناير من عام 2016، اعتقل “إلتشابو” من طرف قوات خاصة، وانتهى السيناريو بالمؤبد في أشهر السجون الأمريكية.

في الأنظمة الفاسدة، عندما ينتهي “إلتشابو”، يعوض بآخر، لتستمر اللعبة السياسية، وهذا موضوع آخر…

في كل وطن يوجد شبيه “لإلتشابو”.. ولكل وطن خصوصياته..

مغربنا لا يشكل الاستثناء، ومدننا لم تسلم من الظاهرة “الإلتشابية”…

سنتحدث هنا عن أباطرة الانتخابات، بعيدا عن تجار المخدرات، لكنهما وجهان لعملة واحدة، فاللعبة متشابهة في بعض قوانينها وكواليسها..

الفقيه بن صالح نموذج يستحق منا الكثير من الكلام، مدينة في وسط المغرب، تعد من أغنى المناطق، فخيراتها لا تعد ولا تحصى وفي مقدمتها أكبر مغسلة للفوسفاط في العالم، كلف تدشينها ما يفوق 3 ملايير درهم، إضافة إلى احتياطي مهم من ثروة الفوسفاط.

كما تعد الفقيه بن صالح من المناطق الفلاحية الأكثر إنتاجا على المستوى الوطني، ناهيك عن العائدات المالية لأبنائها المستقرين بدول الجوار في القارة العجوز…

إنها مدينة فقيرة بثروات كثيرة.. ابتلاها القدر “بإلتشابو”، مهندس انتخابات وملم بالسياسة، مبدع في الكلام وسليط اللسان، يقتنص الفرص وحربائي في التلون، محترف في المفاوضات والصفقات.

يشتري الغالي والرخيص وتدعمه الأشباح وطنيا ومحليا…

راكم الثروة المفقودة، وأتقن دور الضحية، استولى على الأملاك وحولها للأصدقاء، وفي التصريحات قال: هاتوني بالدليل، ونحن نقول: الأدلة في التقارير، ولن تحرك إلا بإذن النزهاء والشجعان، وإلى ذلك الحين، نتساءل عن الموعد المعلوم، فصبرنا طال وأملنا خاب، ولا ننتظر إلا عودة المعجزات..

لا صحافة صادقة تفزعه، ولا أقلام نزيهة ترعبه..

لا تقارير مجلس الحسابات تخيفه، ولا لجان تفتيشية تحقق في ممتلكاته، ولا هيئة تكشف الستار عن قلعته..

توغل في كل المجالات، وصار لاعبا وحكما في كل القطاعات..

يهوى العقارات، ويعشق تحويل الحدائق إلى بنايات..

أوراشه الكبرى، تبليط الشوارع واقتلاع الأشجار..

مشاريعه الاستراتيجية، الركوب على إنجازات القطاعات الحكومية، ونسبها لنفسه..

اخترق كل الجمعيات، ووزع جنوده على كل الأنشطة والفعاليات..

أغرم بالفرس، فأنعمت عليه سلطته بمركب شبح تجاوزت مساحته 120 ألف متر مربع، تفتح أبوابه مرة واحدة في السنة، لاحتضان مهرجان انتخابي تحت مسمى “التبوريدة”.

ولائم وسهرات وليال حمراء، بدخ وخسارات ولا مدقق في الميزانيات، دواوير مهمشة وأحياء مقصية تخفي تلوثا بيئيا خطيرا، يقتل المناعة ويهدد السلامة، رغم السنين تعذر الإصلاح وتأخر إنهاء كارثة الحليب العكر، الذي تجري سمومه في وديان المحيط، وتقض مضجع الصغير والكبير.

“إلتشابو” الفقيه بن صالح يدشن الأوراش تحت الأضواء، ويلغيها مع حلول الظلام، فتظل أماكن مهجورة، إلى أن يحدد متى تغلق ومتى يمكن أن تفتح..

مشاريع مجمدة وأخرى مؤجلة، وعود مزيفة ووهم متواصل..

ملصقات الإصلاحات، لا تشبه الإنجازات، وماضي المدينة أحسن من حاضرها..

من مدينة التألقات إلى عاصمة المقاهي والإخفاقات، احتل أرصفتها الباعة، وامتلأت شوارعها بالدواب المتنقلة..

“إلتشابو” السياسة، فهم عقليات الساسة، واستفاد من غياب الكفاءات في زمن الذل والتفاهة، درس نقاط الضعف، فتلاعب بالأمة وسبب لها الغمة، تظاهر بالعار ليجلب الأصوات، وبعد النتائج اختفت البرامج..

من “حفير” انطلق، ومن سكانها تبرأ، فتعمقت الحفر وزادت المعاناة، حضر كل شيء وغابت التنمية والإصلاحات.

غادر المدينة واستقر في القلعة الكبيرة، “تمسكن فتمكن” وبعد أن كان منا، صار مختلفا عنا..

فضل العزلة والعيش في مدخل المدينة، في مساحة شاسعة تحتضن الاجتماعات مع تقديم أطباق الشواء وتنوع المشروبات.

داخل قصره تحدث الكثير من الأشياء، ولا يصلنا نحن إلا الفتات من التفاصيل..

إنها السياسة الحمقاء، تغلق العيون وتحجر القلوب، وأمام هذا الوضع لا يسعنا إلا الدعاء “لإلتشابو لاربعا” بالمغفرة والهداية، لعله يعود للأصل والصواب…

بسهولة سيطر على المدينة، وبسرعة حولها لقرية كبيرة..

منذ ابتلائنا بسيادته، أشغل المجالس بحفلاته الفاخرة، ولا حديث في الأزقة إلا عن شخصه وضيوفه وأخباره..

أمام مشهد ملوث، فيه المنتقد الصادق والمخبر السري، المعارض المزور والمناضل المتقلب، الجاسوس الماكر والفاعل الجمعوي المتملق العاشق للدعم، “إلتشابو” الفقيه بن صالح مستمتع بالوضع، ومتفرغ لرسم مخططاته المستقبلية، فالنهاية في نظره بعيدة والأطماع لا تزال كثيرة.

باسمه تنفذ كل الأوامر، باسمه توزع الكعكة ويحارب الفاعل الجمعوي المثقف والمناضل السوي، وباسمه تشرد بعض الأهالي واستغلت بعض الأراضي، باسمه تحدد المعارضة والأغلبية، وباسمه تستغل الفضاءات، وباسمه تلغى الأنشطة والمبادرات، باسمه تتم بعض التعيينات، وباسمه تتم حتى الإقالات، باسمه تهمش النخبة المثقفة وكفاءات المنطقة…

الحقيقة المرة التي وجب على أهل الفقيه بن صالح الإيمان بها، هو أن “إلتشابو لاربعا” لن توقفه احتجاجات وشكايات الساكنة، ولن تنال منه صرخات المتضررين من سياساته، ولا كتابات “الفيسبوكيين” وأشرطة “اليوتيوبيين”، ولا دموع الوطنيين الذين هدمت بيوتهم..

انطلق ضعيفا، لكنه أصبح قويا، كبر نفوذه، فصعبت إزاحته واستحالت محاسبته إلى حدود كتابة هذه الأسطر..

“إلتشابو” الفقيه بن صالح يمكن أن يسقط في دقيقة، مثلما سقط “إلتشابو” المكسيك في دقيقة، بعدما قرر بعض صناع القرار المرتشين في المكسيك، قلب الطاولة وإنهاء عهده وهدم قلعته…

لكن “إلتشابو” الفقيه بن صالح لم تنته صلاحيته بعد، ولم تتوفر الإرادة والجرأة لمتابعته ومحاربة أمثاله وأتباعه..

“إلتشابو” الفقيه بن صالح باق ومستمر، يمتص الدماء ويستغل الفرص وينقب عن العروض و”الهميزات”..

أتدرون لماذا هو مستمر إلى الآن؟ ببساطة لأنه لا يزال صالح لهذا الزمان والمكان..

فإلتشابو لاربعا معروف بالسخاء مع الأحباب والأولياء، يخدم المصالح، ويقتسم الغنيمة، يأكل الكثير ويترك القليل، وفي القلة بركة، تكفي لتوفير الحماية والتستر على الفضيحة…

سأحبطكم لأنني سأخبركم بالحقيقة، سأنتزع تفاؤلكم لأنني سأقول ما عجز عن قوله الكثيرون، سأذكركم بما تعلمون وما لا تعلمون..

سامحوني إن قلت لكم بأن دعمكم للنزهاء مثل إخفاء الشمس بالغربال، ومعارضتكم ونضالكم وانتقاداتكم المتواصلة لقلعة كبير المعمرين، لا تعني شيئا ولن تغير الوضع…

مجهوداتكم وتضحياتكم، ما هي إلا وصلة ترفيهية، تكسر روتين مسلسل طويل، بطله “إلتشابو” الفقيه بن صالح، ونهايته بيد من لا يزال يتستر على الواقع المعاش.

عندما ستنتهي قصة العشق والغرام، التي تجمع “إلتشابو بني عمير” ببعض الأشباح، آنذاك ستكون نهايته شبيهة بنهاية “إلتشابو المكسيك”..

بداية متشابهة للقصتين في بعض التفاصيل، مع نهاية مختلفة في الختام، هنا يكمن الفرق بين الحق والباطل، بين الصالح والطالح، بين الإرادة واللاإرادة.

سيناريو المسلسل واضح قبل التصوير، فتاجر المخدرات المكسيكي اعتقل ونفي بالمؤبد كما تابع الجميع، أما كبير المعمرين، فسيسقط من اللائحة لكنه سيستمر في الساحة، سيعفى من مهامه ويعتزل سلطة الكرسي والغرام، ليترك لأقرب المقربين، سيادة الحكم وصناعة القرار..

قبل الختام لدي طلب أخير.. عجلوا من فضلكم بسقوط كومبارس بني عمير، وحذاري من تعويضه بشبيه خطير…

مدينتنا تستحق الكثير، وأنت قدمت القليل..

نشكرك على مجهوداتك المتواضعة.. ونتمنى لك سنة جديدة.. واستقالة مشرفة..

لا تعاتبني على صراحتي.. وصدق لساني.. ونزاهة قلمي.. فأنت تعرف من أكون ونحن نعرف من تكون..

لا تعاتبني لأنني رفضت زيارة القلعة الكبيرة رغم إلحاحك في أكثر من مناسبة..

تقبل انتقادي بلباقة واستقبل عباراتي بروح رياضية عالية.. واستخلص الدروس من بين السطور..

ولا تسخر الذباب الإلكتروني لرمي بيتي بالحجارة، فهم سيفعلون ذلك دون أوامر..

يحبونك لدرجة التقديس، ويلهثون وراء دعمك ونفوذك..

سيفعلون ذلك دون رحمة ولا شفقة، ومنهم من أعتبره صديقا، لكنه يختفي وراء الأسماء المستعارة ليفجر كبته وحقده، ويظهر لك ولاءه وحب الانتماء لقلعتك الكبيرة… وتلك قصة أخرى

بيتي من حديد وليس من زجاج.. وكلمة الحق أقولها وضميري مرتاح البال.. فأنا لست خصما سياسيا ولا قلما مأجورا..

هذا يكفي يا “إلتشابو الفقيه بن صالح”.

‎مقالات ذات صلة

Facebook Comments

إقرأ أيضا