حوار.. نقيب: مشروع قانون المهنة يسمح باعتقال المحامي داخل المحكمة ويهدد حصانة الدفاع

بين التحذير من إمكانية اعتقال المحامي داخل قاعة الجلسات، ورفض العودة إلى “حوار تقليدي ثبت عقمه مسطرياً”، تواصل جمعية هيئات المحامين بالمغرب تصعيدها ضد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك من خلال استمرار المحامين عن التوقف عن تقديم خدماتهم.
وفي هذا السياق، أجرى “سيت أنفو” حواراً صحافيا مع عزيز زاروني، نقيب هيئة المحامين بسطات، الذي سلط الضوء على خلفيات الاحتجاجات الجارية، منتقداً ما اعتبره تراجعاً عن مخرجات الحوار السابق مع الحكومة، كما تطرق إلى شروط العودة إلى طاولة التفاوض والسيناريوهات المطروحة في حال الإصرار على تمرير التعديلات المثيرة للجدل.
وأكد زاروني أن المعركة الحالية لا ترتبط بمطالب فئوية أو مهنية ضيقة، بقدر ما تتعلق بالدفاع عن استقلالية المحاماة باعتبارها إحدى الضمانات الأساسية لحق المواطنين في الدفاع والمحاكمة العادلة، مشدداً على أن حماية المتقاضي تبدأ من حماية المحامي وتمكينه من ممارسة مهامه بعيداً عن أي وصاية أو تضييق مؤسساتي.
باقي التفاصيل تجدونها في الحوار الآتي:
السؤال 1: ما هي أبرز المقتضيات والتعديلات التي جاء بها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والتي تعتبرون أنها تمس باستقلالية المهنة وحقوق المتقاضين؟
الجواب: بالنسبة للنصوص المهددة للحصانة الجنائية والمهنية للمحامي (موجبات المساءلة)، ينبغي التنبيه أن خطورة المشاريع المقترحة، تتعدى القيود الإدارية إلى المساس المباشر بـ “الحصانة الموضوعية للمحامي” أثناء وفائه بالتزامات الدفاع:
– مقتضيات “مخالفة الجلسات” والاعتقال الفوري: إن التوجه نحو منح الهيئة الحاكمة سلطة إثارة الدعوى العمومية في الحين وضد المحامي أثناء الجلسة، مع إمكانية الأمر باعتقاله داخل محراب المحكمة، يشكل تراجعا خطيرا عن الضمانات التاريخية. هذا المقتضى يضرب في الصميم المادة 58 من القانون رقم 28.08 الحالي، التي تنص على عدم جواز اعتقال المحامي بسبب ما يبديه من دفوع أو كتابات، وتوجب سلوك مسطرة خاصة عبر إشراف النقيب والوكيل العام للملك. تحويل المحامي إلى متهم محتمل داخل الجلسة يعد هدمًا لـ “مبدأ المساواة بين أطراف الخصومة القضائية”.
– النصوص المتعلقة بـ “قوانين غسل الأموال” وخرق السر المهني: إلزام المحامي بموجب بعض المقترحات والمذكرات التنظيمية بالتبليغ عن “المعاملات المشبوهة” لموكليه إلى هيئات الرقابة المالية (تفعيلا لتوصيات مجموعة العمل المالي GAFI)، يصطدم بنيويا بـ المادة 36 من قانون مهنة المحاماة التي تقر بقدسية السر المهني تحت طائلة العقوبات الجنائية (المادة 446 من القانون الجنائي). المشرع هنا يحول المحامي من “أمين على أسرار الموكل” إلى “مخبر إداري”، مما يهدد ركيزة الثقة القانونية بين المتقاضي ودفاعه.
-النصوص المانعة للمشروعية المؤسساتية (إلغاء احتكار التمثيلية)
إن تصفية النطاق الحصري لعمل المحامي وردت في نصوص صريحة تسعى إلى إفراغ “النيابة الإلزامية” من محتواها الإجرائي:
● شرعنة الوكالة بدون نيابة المحامي: التنصيص في المستجدات الإجرائية على إمكانية تمثيل الأطراف أمام بعض المحاكم (كالابتدائية، وأقسام قضاء القرب، والقضايا الاجتماعية) بواسطة الأقارب أو الوكلاء بموجب وكالة خاصة، يعد التفافا على المادة 31 من القانون 28.08التي تجعل النيابة أمام القضاء اختصاصا أصيلا للمحامين.
● إعفاء الإدارات والمؤسسات العمومية من تنصيب الدفاع: منح الدولة، والمؤسسات العمومية، والجماعات الترابية حق تقديم مقالاتها والدفاع عن مصالحها بواسطة موظفيها (المستشارين القانونيين للإدارة) دون إلزامية تنصيب محام مقيد بجدول الهيئة، يخلق تمييزاً مسطرياً غير دستوري بين أطراف الخصومة، ويحرم الدولة نفسها من جودة الأمن القضائي الذي يضمنه الدفاع النظامي.
-النصوص المحدثة لـ “العوار المسطري” (إسقاط الاستئناف والطعون)
هناك نصوص صريحة تؤثر على استراتيجية المحامي المسطرية وتمنعه من ممارسة طرق الطعن تفعيلا لمبدأ التقاضي على درجتين:
● تسقيف حق الاستئناف بناء على القيمة المالية (نظام العتبة): التنصيص على عدم قابلية بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية للاستئناف إذا كانت قيمة النزاع لا تتجاوز حدا ماليا معينا (تحديد عتبة 30,000 أو 40,000 درهم ليكون الحكم انتهائيا)، يمثل مصادرة لحق المحامي في تصحيح الأخطاء القضائية عبر محاكم الدرجة الثانية، ويجعل عدالة القاضي المنفرد عدالة قطعية لا معقب عليها.
● التضييق على الطعن بالنقض وتكريس “الغرامات الإجرائية”: فرض غرامات مالية مرتفعة (تتراوح بين 5,000 و 10,000 درهم) في حال رفض طلب النقض أو الطعن بإعادة النظر، يمثل وسيلة لردع المحامي عن تفعيل وسائل النقض الموضوعية المكرسة في المادة القانونية، مما ينعكس سلباً على دوره كـ “مراقب لتطبيق القانون” أمام محكمة النقض.
. النصوص الناقلة للاختصاصات التأديبية والولائية (تقويض سلطة النقيب)
يسعى المشروع إلى تفكيك السلطة التنظيمية الممنوحة لمجالس الهيئات والنقباء عبر نصوص نوعية:
– سحب اختصاص البت في تقدير الأتعاب: محاولة نقل الاختصاص في البت في النزاعات المتعلقة بتقدير وتحديد أتعاب المحامين من مؤسسة النقيب (الذي يبت فيها بأمر ولائي بموجب المادة 85 من القانون الحالي) إلى رئيس المحكمة الابتدائية أو قاضي الأمور المستعجلة، وهو ضرب للخصوصية المهنية ومحاولة لإخضاع القيمة التعاقدية للمهنة لتقدير قضائي خارجي.
– إشراك النيابة العامة في المنظومة التأديبية: تكريس نصوص تمنح الوكيل العام للملك صلاحية الطعن التلقائي في قرارات حفظ الشكايات الصادرة عن النقيب، وإحالة المحامي مباشرة على غرفة المشورة بالمحكمة لترتيب جزاءات تأديبية (العزل أو التوقيف) بمنأى عن قرار مجلس الهيئة، وهو ما يمثل الإعدام الفعلي لـ “مبدأ التسيير الذاتي وحق الزملاء في محاكمة زملائهم مهنيا”.
السؤال 2: قرار التوقف الشامل عن العمل وتعليق المساعدة القضائية قد يؤثر على مصالح المواطنين، كيف توازنون بين الدفاع عن مطالب المحامين وضمان حق المتقاضين في الولوج إلى العدالة؟
الجواب:
هنا ينبغي التركيز على ما يلي:
1-التكييف القانوني للتوقف من داخل نظام المهنة “تعليق المرفق المهني الذاتي”: عندما تقرر جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف الشامل، فإنها لا تمارس “إضرابا” بالمعنى النقابي العمالي، وإنما تمارس صلاحية مستمدة من فلسفة تسيير المرفق المهني المستقل المحكوم بنصوص مشروع القانون نفسه:
● الطبيعة القانونية للمهنة: ينص المشروع في مادته الأولى (امتدادا للمادة 1 من القانون 28.08 الحالي) على أن “المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساهم في تحقيق العدالة”. هذا التحديد القانوني ينفي صبغة “الموظف العمومي” عن المحامي، ويجعل علاقته بالمرفق القضائي علاقة “شراكة عضوية بنيوية” وليست علاقة تبعية إدارية.
● الدفع بالتعليق الوقائي: فقهيا، عندما يقدم المشرع عبر نصوص مشروع قانون المهنة على الالتفاف على الضمانات الحمائية واستقلالية المؤسسات المهنية (كتقليص صلاحيات مجلس الهيئة والنقيب لصالح وزارة العدل)، فإن هذا يمثل إخلالا من جانب الدولة بـ “المشروعية التأسيسية للمهنة”.
● هنا، يكيف توقف المحامين قانونا بأنه “تعليق وقائي للمرفق المهني الذاتي”؛ إذ لا يمكن للمحامي الولوج إلى المحاكم لتمثيل المواطنين وهو مجرد من الأمان القانوني والحصانة المؤسساتية التي ينبغي أن يضمنها له قانون مهنته. فالمحامي لا يستطيع حماية حقوق المتقاضين إذا كان قانون مهنته يعجز عن حمايته هو كفاعل رئيسي في الخصومة.
2. التوازن المسطري بين المساعدة القضائية الإلزامية والحصانة المؤسساتية
تحاول الجهات الحكومية إحراج الهيئات بالنص على أن تعليق “المساعدة القضائية” يضرب في الصميم الفئات الهشة وحقها في الولوج إلى العدالة. غير أن تفكيك هذا الطرح من داخل مشروع قانون المحاماة يكشف الآتي:
● الأساس القانوني للمساعدة القضائية: المساعدة القضائية بموجب المقتضيات المنظمة للمهنة هي “تكليف مهني ولائي” يصدره النقيب إسهاما من الهيئة في تيسير الولوج للعدالة. غير أن هذا التكليف مرتبط شرطيا بوجود مؤسسة نقيب كاملة الصلاحية والاستقلالية.
● الاختلال البنيوي في المشروع: عندما يتضمن مشروع قانون المحاماة نصوصا تسحب من النقيب اختصاصاته التاريخية (كسحب الاختصاص الولائي المطلق في البت في منازعات الأتعاب، أو منح الوكيل العام للملك سلطة إحالة المحامي مباشرة على التأديب بمعزل عن قرار الحفظ الصادر عن النقيب)، فإن المشرع بذلك يُقوض القوة الإلزامية لمؤسسة النقيب.
● المعادلة الحمائية: لا يمكن مسطريا إلزام المحامين بالوفاء بالتزامات المساعدة القضائية (وهي عبء مهني مادي ومعنوي) في وقت يراد فيه تجريد نقيبهم ومجلس هيئتهم من الحصانة والسيادة التنظيمية. تعليق المساعدة القضائية هنا هو خطوة نضالية قانونية لبيان أن “الالتزام بالخدمة المجتمعية للمهنة مشروط باحترام استقلالية المهنة المؤسساتية”.
3. إعمال قواعد الترجيح الفقهي بين “الزمن القضائي الحاضر” و”مستقبل الحصانة”
بالمقاربة الفقهية الصرفة لمفهوم “حق المتقاضي في الولوج للعدالة”، يظهر التوازن الموضوعي عبر قواعد الترجيح بين ضررين من داخل المنظومة الهيكلية لمهنة المحاماة:
1. الضرر المسطري المؤقت (الخاص): إن تضرر المتقاضي من تأجيل ملفه بسبب توقف المحامين هو ضرر مؤقت وقابل للاستدراك مسطريا بمجرد انتهاء الأزمة، عبر تفعيل آليات المواعيد القضائية الاستثنائية وإعادة الإدراج.
2. الضرر البنيوي المستدام (العام): إن تمرير مشروع قانون مهنة المحاماة بصيغته التراجعية التي تفرض “الوصاية الإدارية لوزارة العدل” على امتحانات الولوج، وتوسيع رقابة النيابة العامة البعدية على القرارات التنظيمية للمجالس، هو “موت سريري لاستقلالية البدلة السوداء”.
فقهيا إذا تم تركيع مؤسسات المحاماة (النقيب والمجلس) وتجريدها من تسييرها الذاتي، فلن يجد المتقاضي غدا محاميا قادرا على مواجهة الشطط الإداري أو الدفاع عن حريته وأمواله بحياد وتجرد. وبالتالي، فإن تحمل التوقف اليوم هو خطوة استباقية إلزامية لحماية “الأمن القضائي المستدام” للمواطن غدا؛ لأن عدالة بلا محاماة مستقلة هي عدالة صورية منقوصة الشرعية.
السؤال 3: جمعية هيئات المحامين تتحدث عن “انقلاب” على مخرجات الحوار مع الحكومة، هل ما زال باب الحوار مفتوحاً أم أن العلاقة وصلت إلى مرحلة القطيعة؟
الجواب:
1. التأصيل الفقهي لمفهوم “الانقلاب”: خرق مبدأ “حماية الثقة المشروعة”
إن توصيف جمعية هيئات المحامين بالمغرب لسلوك وزارة العدل بـ “الانقلاب” لا ينطلق من خلفية سجالية، بل هو رصد مسطري دقيق لـ “الانحراف في سلوك الشخص العام المحاور”، ويستند فقهيا إلى:
● مبدأ حماية الثقة المشروعة: هذا المبدأ، المستقر في الفقه الإداري الحديث والقانون الدستوري المقارن، يحظر على السلطة الإدارية أو التشريعية اتخاذ قرارات فجائية تتناقض مع سلوكيات ومواقف سابقة أسست لبناء “مراكز قانونية وتوقعات مشروعة” لدى شركائها.
● الآثار القانونية للمحاضر الرسمية: إن اشتغال اللجان الموضوعاتية المشتركة لشهور طويلة بين الوزارة والجمعية، وتتويج ذلك بصياغة “محاضر اتفاق رسمية وموقعة ثنائيا” بخصوص مضامين مسودة مشروع قانون المحاماة (لا سيما شروط الولوج، وحصانة الجلسات، واختصاصات مؤسسة النقيب)، يخلق التزاما أخلاقيا ومؤسساتيا صارما.
● مكمن الانحراف المسطري: عندما تُقدم الوزارة الوصية، وبشكل أحادي، على الالتفاف التام على تلك المحاضر وإحالة مسودة بمضامين مغايرة أو مناقضة تكرس “الوصاية والتضييق” على الأمانة العامة للحكومة، فإنها ترتكب “نكوصا مسطريا يضرب منسوب الاستقرار التشريعي”. هذا السلوك يُفرغ المقاربة التشاركية الواردة في الدستور من شحنتها المعيارية، ويحول الحوار من آلية “لصناعة النص” إلى مجرد إجراء شكلي صوري لتأثيث المشهد.
2. التكييف البنيوي للمرحلة الحالية: “التعثر الهيكلي” لا “القطيعة المطلقة”
بالمقاربة الفقهية لنظرية المرافق العامة وتدبير النزاعات المؤسساتية، فإن تفكيك طبيعة العلاقة بين مهنة المحاماة والسلطة الحكومية يفرز واقعا محكوما بقواعد “البرغماتية المؤسساتية”:
● استحالة القطيعة المطلقة فقهيا: في العرف القانوني، لا يمكن إعلان “قطيعة نهائية وسرمدية” بين مهنة المحاماة والدولة؛ لعلة بنيوية مستمدة من المادة الأولى من مشروع قانون المهنة نفسه، وهي أن المحاماة “مرفق مهني شريك في إقامة العدالة”. المرفق العام القضائي محكوم بـ “مبدأ الاستمرارية”، والمحامي لا يمكنه الاستغناء عن المحكمة، والمحكمة لا تستقيم أحكامها ومحاكماتها العادلة مسطريا ودستوريا بدون نيابة المحامي وتأشيره الإجرائي.
● تكييف الوضع الحالي بـ “التعليق التفاوضي الإكراهي”: الوضعية الراهنة لا تُكيف كقطيعة شخصية، بل هي “حالة عدم توافق هيكلي على التفسير المقاصدي للنص المنظم للمهنة”. باب الحوار لم يغلق أبدا من جانب النقباء والمجالس، لأن الهيئات المهنية هي كيانات عقلانية تحتكم للمشروعية، لكن العودة إلى طاولة الحوار أضحت مشروطة بمسار تفاوضي جديد.
3. شروط العودة الإجرائية: الانتقال من “الحوار الاستشاري” إلى “التفاوض التقريري”
إن القراءة الصارمة لآليات إنتاج القوانين تفيد بأن المحامين يرفضون اليوم العودة إلى نمط الحوار التقليدي الذي ثبت عقمه مسطريا. الفقه التنظيمي يشترط للعودة اعتماد هندسة تفاوضية جديدة ترتكز على محورين من داخل حدود مشروع القانون:
– إعمال قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين” (المادة 230 من ق.ل.ع) في المجال المؤسساتي: المطالبة بأن يكون الحوار مستقبلا “حوارا تقريريا تعاقديا” وليس حوارا استشاريا أفقيا. بمعنى أن أي نقطة يتم الاتفاق عليها بخصوص مواد مشروع قانون المحاماة (كضمان احتكار العقود أو تحصين اختصاصات المجلس التأديبي) تُصاغ في محاضر ذات حجية قطعية وإلزامية تلتزم الحكومة بإحالتها كما هي على القنوات التشريعية البرلمانية دون بتر أو تعديل أحادي.
– إعادة الاعتبار لمؤسسة النقيب كشريك موازي: لا حوار إلا على أرضية تحترم “السيادة النظامية للهيئات”. فالمشروع الذي يسعى لبسط رقابة الوكيل العام للملك على قرارات النقيب لا يمكن التفاوض حوله إلا بإلغاء هذا البند الوصائي أولا؛ لأن الجلوس للحوار يقتضي التكافؤ البروتوكولي والقانوني بين الطرفين المحاورين.
السؤال 4: لوّح المحامون بخطوات نضالية غير مسبوقة وبالتوجه إلى هيئات أممية ودولية، ما هي الأشكال التصعيدية المرتقبة إذا استمرت الحكومة في تمرير هذه التعديلات؟
الجواب على هذا السؤال يقتضي التطرق لما يالي:
1. الهندسة المسطرية للتصعيد الداخلي: الانتقال إلى “الشلل الإجرائي الهيكلي”
إذا استمر الإصرار الحكومي على تمرير مشروع قانون المحاماة بصيغته التراجعية دون توافق، فإن الأشكال التصعيدية المرتقبة داخليا لن تخرج عن نطاق الصلاحيات التنظيمية والولائية الممنوحة للمجالس والنقباء بموجب قانون المهنة الحالي والمشروع نفسه، لكنها ستنتقل من صيغة “الاحتجاج الدوري” إلى صيغة “العصيان الإجرائي المنظم” من خلال:
● تعليق المساهمة البنيوية في الصناديق والمساطر الإلزامية: بموجب الصلاحيات الممنوحة لمجالس الهيئات في تنظيم وتدبير المرفق المهني، يملك مجلس الهيئة سلطة إصدار مقررات تنظيمية ملزمة لكافة النقباء والمحامين تقضي بـ “المقاطعة الشاملة والمستدامة لصناديق المحاكم” (الامتناع عن أداء الرسوم والوجيبات المهنية ). هذا الإجراء يؤدي مسطريا إلى استحالة تقييد المقالات والدعاوى، مما يعطل تداول السيولة المالية المسطرية للمرفق القضائي.
● إعلان “حالة العقم الإجرائي” (قضايا الجنايات والتلبس الإلزامية): ينص مشروع القانون (امتدادا للقوانين المقارنة) على بطلان إجراءات المحاكمة في القضايا الجنائية وقضايا الأحداث في حال عدم حضور المحامي (النيابة الإلزامية). تفعيل المقاطعة الكلية والشاملة والمستدامة لهذه الجلسات من طرف الهيئات يؤدي مباشرة إلى شلل تام في إصدار الأحكام الجنائية، نظرا لأن أي حكم سيصدر في غياب الدفاع سيكون مآله البطلان المطلق لمخالفته للنظام العام الإجرائي.
● مأسسة “صناديق الصمود المهني والتكافل التضامني”: تفعيل المقتضيات المتعلقة بـ “تدبير مالية الهيئات” لإنشاء صناديق دعم مادي استثنائية لضمان استمرارية الصمود المادي للقواعد المهنية (خاصة المحامين المتمرنين والشباب) لمجابهة الآثار الاقتصادية للتوقف المستدام.
2. البعد الدولي للتصعيد: التكييف القانوني للتدويل كـ “دعوى عدم مطابقة اتفاقية”
إن لوائح التلويح بالتوجه إلى الهيئات الدولية (مثل الاتحاد الدولي للمحامين UIA، أو المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين) لا تُكيف فقهيا كـ “استقواء بالخارج” أو مناورة سياسية، بل هي تفعيل مسطري لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والالتزامات الاتفاقية للمملكة:
● خرق “مبادئ هافانا الأساسية بشأن دور المحامين” (1990): تعتبر هذه المبادئ، المعتمدة من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة، بمثابة “الشرعة الدولية لحصانة الدفاع”. تفعيل الشكايات والتقارير الموازية أمام المقرر الأممي الخاص يستند مباشرة إلى خرق نصوص مشروع قانون المحاماة المغربي لهاتين المادتين تحديدا:
○ المادة 16: التي تلزم الحكومات بضمان قدرة المحامين على أداء جميع وظائفهم المهنية دون تخويف، أو عائق، أو مضايقة، أو تدخل غير لائق. (وهو ما ينتهكه المشروع بـمنح النيابة العامة سلطة تحريك التأديب المباشر وسحب سلطات النقيب).
○ المادة 24: التي تنص صراحة على أن للمحامين الحق في تكوين رابطات مهنية مستقلة تمثل مصالحهم، وتتمتع بـ “التسيير الذاتي” المستقل عن أي توجيه حكومي.
● إعمال آلية السمو الدستوري للاتفاقيات : بموجب تصدير الدستور المغربي، تلتزم المملكة بجعل الاتفاقيات الدولية المصادق عليها تفرز سمواً فور نشرها على التشريعات الوطنية. وحيث إن المغرب مصادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن المادة 14 منه تجعل “الحق في استقلال الدفاع” جزءا من النظام العام الدولي لحقوق الإنسان. وبالتالي، فإن لجوء الهيئات للمنتديات الدولية هو ممارسة مسطرية مشروعة لـ “دعوى عدم مطابقة تشريعية” تهدف إلى وضع الدولة أمام التزاماتها الدولية، وإحراج المقاربة التشريعية لوزارة العدل التي تقدم نصوصا وطنية تصطدم بالعهود الدولية التي وقعت عليها المملكة.
السؤال 5: هي الرسالة التي توجهونها إلى وزارة العدل والحكومة من جهة، وإلى المواطنين الذين قد يتضررون من استمرار الإضراب من جهة أخرى؟
الجواب:
1. الرسالة الموجهة إلى وزارة العدل والسلطة التنفيذية (في فلسفة التشريع)
المتن والمحتوى القانوني: إن القيمة المعيارية لأي نص تشريعي، لا سيما ذلك المنظم لمهنة المحاماة باعتبارها مرفقا شريكا في إقامة العدالة (المادة 1 من المشروع)، لا تستمد حياتها ونفاذها من “المشروعية الشكلية الإجرائية” الصرفة (أي الأغلبية العددية البرلمانية العابرة)، بل ترتبط بنيويا وعضويا بـ “المشروعية الموضوعية والقبول السوسيولوجي والمهني” من طرف الممارسين الخاضعين لأحكامه.
ونذكر السلطة الحكومية الوصية بالقاعدة الفقهية المستقرة في القانون الدستوري للفقيه ليون ديغي: “إن القانون ليس تعبيرا عن مشيئة الحاكم الأحادية، بل هو صياغة تشريعية للتضامن والاستقرار الاجتماعي، فإذا خرج النص عن قواعد الممارسة والواقع، تحول من أداة لتنظيم المرفق إلى أداة لإنتاج النزاع وعرقلة العدالة”.
إن محاولة فرض مقتضيات تراجعية تسلب مؤسسة النقيب اختصاصاتها الولائية والتأديبية، وتخضع المقررات التنظيمية لمجالس الهيئات لرقابة وصائية بعدية من طرف النيابة العامة، سينتج عنه قوانين ميتة سريريا عند المحك العملي. إن إضعاف المركز القانوني للمحامي وتجريده من حصانته الذاتية سيؤدي إلى تراجع تصنيف المملكة في مؤشرات “سيادة القانون” الصادرة عن الهيئات الدولية، ويضر مباشرة بـ “الأمن القضائي للاستثمار”؛ إذ لا يمكن لرؤوس الأموال الأجنبية أو الوطنية أن تستأمن بيئة قضائية يُحجم فيها الدفاع عن الجهر بالحق وتفعيل الدفوع الجريئة مخافة عزل تأديبي مباشر أو تضييق مؤسساتي يُفقد البدلة السوداء حريتها واستقلالها.
2. الرسالة الموجهة إلى المتقاضين وأطراف الخصومة القضائية (في التضامن الحقوقي)
المتن والمحتوى القانوني: إن قرار التوقف الشامل وتعليق التكليفات الصادرة بموجب المساعدة القضائية لا يُكيف مسطريا كإجراء عدائي موجه ضد مصالح المتقاضين الحمائية، بل هو “إجراء وقائي واضطراري صرف لحماية مراكزهم القانونية الموضوعية”. إن النضال المهني الحالي لجمعية هيئات المحامين بالمغرب لا يستهدف تحقيق امتيازات فئوية، أو مطالب مادية ضيقة، بل يستهدف صون “الحق في الدفاع” باعتباره ركيزة الخصومة العادلة.
وبناء على قواعد الموازنة والترجيح بين المراكز القانونية، فإن الضرر الناشئ عن تأجيل الجلسات وتمديد الآجال المسطرية مؤقتا هو ضرر نسبي قابل للاستدراك بالكامل تفعيلا لقواعد “القوة القاهرة الجماعية” التي توقف سريان المواعيد الإجرائية لكي لا تضيع حقوق الأطراف. في حين أن تمرير مشروع قانون يفرض الوصاية الإدارية على مهنة المحاماة، ويحرم النقيب ومجلس الهيئية من استقلاليته البنيوية في حماية المتقاضين وحماية دفاعهم يشكل “هدما مستداما لضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الفصل 120 من الدستور”.
إن كرامة المتقاضي وحماية حريته، ممتلكاته، وعرضه أمام القضاء تبدأ شرطيا من قوة واستقلالية وحصانة المحامي الذي ينوب عنه؛ والمحامي لا يستطيع الذود عن حقوق المتقاضين إذا كان قانون مهنته يعجز عن حمايته هو كفاعل رئيسي في الخصومة القضائية. إن المحامين يتحملون كلفة التوقف المادية اليوم ويعتذرو عن تعثر قضا المتقاضين مؤقتا لكي يضمن ألا يلجأوا غدا إلى محاكم يجدون فيها محاماة مسلوبة الصلاحيات، خاضعة للوصاية، وعاجزة عن صد الشطط في استعمال السلطة. معركة المحامي اليوم هي درع المتقاضي المستقبلي لحماية أمنه القضائي للأبد.
تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية