الفلاحات المقاولات.. حين يكون للطموح عنوان -فيديو

يقال إن النجاح لا يقاس بالموقع الذي يتبوأه المرء في حياته، بقدر ما يقاس بالصعاب التي يتغلب عليها. وفي عالمنا القروي الصعاب كثيرة والعقبات أكثر حدة، خصوصا إن اختارت لك الطبيعة أن تكوني أنثى، وأن ينضاف لذلك مجتمع محافظ وأسرة فقيرة، لا يتعدى سقف طموحها بالنسبة لفتاة، غير زوج وأبناء. لدى فكفاح الفتيات القرويات الطامحات للعمل والاستقلالية، كان شاقا، لتعبيد طريق لم يعبرها قبلهن أحد، وإدخال فكرة المقاولة لأعراف القبيلة قبل التفكير في إنجاحها، للتحرر أخيرا من لعنة “انتي راك غير مرا”.

 

زهرة والشعيبة، وجهان لنجاح واحد وكفاح مرير، بدأتا من لاشيء، وقامتا بتحدي الجميع، والعقليات المتحجرة وفرضتا نفسيهما في مجال كان لوقت قريب حكرا على الرجال وحصنا ممنوعا على النساء.

ولدت السيدتان بالبادية في كنف عائلتين تعتمدان على الفلاحة، وكانت مصدر رزقهن أيضا، حيث أنشأتا تعاونيتين بتخصصين مختلفين لكن بصدى نجاح كبير.

 

زهرة.. الفشل مصدر قوة

 

لم تكن تعلم زهرة أن المرض سيكون عائقا أكبر من والدها المحافظ، حيث اكتشفت أنها تعاني ضعفا كبيرا في التركيز، يصاحبه ألم مبرح على مستوى الرأس، فانقطعت عن الدراسة، لعدم قدرتها على استيعاب الدروس أو متابعة الدروس كبقية الأطفال. لكن المرض لم يمنع الشابة العشرينية من الطموح، حيث بدأت العمل في ضيعة والدها، قبل أن تتمكن من تسييرها بنجاح، ولأن الدراسة خطوة مهمة للوصول الى أحلامها، أقنعت والدها بضرورة التسجيل بالمعهد الفلاحي في المحمدية الذي كان انطلاقتها الحقيقية.

درست زهرة في المعهد الفلاحي لمدة أربع سنوات، تخصص تحفيظ المواد الغذائية بطريقة طبيعية، وأشرف على تكوينها بالمعهد مجموعة من الأساتذة الألمان، وكان البرنامج المدرس عبارة عن شراكة بين وزارة الفلاحة المغربية ونظيرتها الألمانية، من أجل البحث عن طلاب مهتمين بإطلاق مشاريع فلاحية خاصة بالمنتجات المجالية، أي المنتجات التي يتم إنتاجها في الجهة التي ينتمون إليها.

تروي زهرة لسيت أنفو: “كنا في البداية خمسة وعشرين مرشحا، تم اختيار سبعة منهم وكنت محظوظة لاختياري بينهم، كما تم ترشيحي لأكون المسؤولة عن باقي المرشحين”.

أنشأت الشابة التي تبلغ من العمر الآن ثلاثين سنة، برفقة العديد من الشابات تعاونية خاصة بالحار والحبوب بحكم أنها منتجات مجالية، ومتوفرة في منطقة سيدي موسى المجدوب بالمحمدية التي ينتمين إليها، وأطلقن على التعاونية إسم “النساء الحرات”.

الدعــــــــــــــــــــــــــم

قامت نساء تعاونية “النساء الحرات” بالعمل لسنة كاملة دون الحصول على أرباح، وذلك لبناء مقر التعاونية، حيث حولت رئيسة التعاونية، زهرة مخزن والدها للمقر، وشمرت على ساعديها، هي وكل نساء التعاونية وقمن ببناء الجدران بأنفسهن لادخار المال الذي لا يكفي لأجرة العمال.

بعد أن أصبح للتعاونية أخيرا مقر، استطاعت زهرة الحصول على دعم للتعاونية، وتسلمت من طرف مؤسسة محمد الخامس للتعاون، حيث تسلمت هي والعديد من المقاولين الشباب لوازم تجهيز المقر من الملك محمد السادس، وكانت هذه الآلات اللازمة لتحفيظ مادة الهريسة، والحبوب مثل الذرة والبلبولة، وتمكنت بفضلها من تطوير عملها وإنتاجيتها، ما مكنها من المشاركة في العديد من المعارض الجهوية والوطنية وكذا الدولية، تعرفت فيها على مستثمرين ومقاولين أصبحوا زبناء دائمين لتعاونية “نساء حرات”.

وتقول زهرة: “بالنسبة لي لا يمكن النجاح منذ أول خطوة، فالفشل هو الحافز ونقطة انطلاق.. ولا يمكن أن أجلس وأنتظر دعم الدولة من أجل إنجاح مشروعي، بل علي أن أكافح وأحارب من أجل الوصول لما أصبو إليه، وسأحصل على النتيجة المرجوة في آخر المطاف”.

الشعيبية.. يمكن تحقيق الذات حتى بعد بلوغ الخمسين

 

”  .. بسبب بُعد المدرسة عن البيت، أجبرت على ترك دراستي بالمستوى الأولى ثانوي شعبة العلوم التجريبية، بالرغم من أني كنت أحتل دوما المراتب الأولى ، إلا أن عائلتي رفضت فكرة متابعة دراستي بمدينة أخرى والانتقال بعيدا عن دوار المهارزة ببئر الجديد” تروي طلال الشعيبية 52 سنة رئيسة التعاونية النسوية الضحى بحرقة عن أسباب انقطاعها عن الدراسة.

بعد أن تبخر حلم الدراسة، ازدهر حلم جديد في ذهن الشعيبة، فقامت بإقناع نساء وفتيات المنطقة سواء المنقطعات عن الدراسة، المطلقات وحتى المتزوجات بتأسيس مشروع صغير يمكنهن من تعويض النقص الذي أحسسن به، بعد عدم قدرتهن على إتمام دراستهن، وكان أول مشروع أسسته نسوة القبيلة هو تربية الأرانب والدجاج، حيث كن يقمن بعرضها للبيع في قارعة الطريق او بالسوق الأسبوعي.

بعد نجاح مشروعهن الصغير، بدأت الشعيبية بإقناع نساء المنطقة بضرورة تطوير طريقة عملهن وتأسيس تعاونية نسائية هدفها تثمين المنتجات المجالية المعروفة بالمنطقة، وهي الذرة والبلبولة والسمن والعسل والكسكس والبندر.

“الحمد الله عائلتي ساندتني عندما قررت العمل خارج المنزل، ولكن كان من الصعب في البداية جمع المنخرطات من أجل تأسيس التعاونية النسوية التي أطلقنا عليها إسم “ضحى”، فأغلب نساء المنطقة يرفضن العمل خارج المنزل، وحتى إن وافقن، يمنعهن أزواجهن أو أباؤهن في آخر المطاف…” تقول الشعيبية.

من فكرة إلى سمعة

بعد التأسيس، استفادت التعاونية من دورات تكوينية متعددة في مجال تخصصها من طرف الإستشارة الفلاحية والمديرية الجهوية للفلاحية، والتي سمحت لهن بتطوير منتجاتهن وعرضها في معارض فلاحية جهوية ووطنية ودولية، ليتمكن من إيجاد زبناء من مختلف المدن المغربية.

… “المشاركة في المعارض الفلاحية سمحت لنا بتطوير منتجاتنا، وعرفت بمنتجاتنا،  حيث أصبح لدينا زبناء جدد أوفياء لمنتجاتنا المجالية، يرسلون في طلبها من جل المدن المغربية… كما ساعدتنا مؤسسة محمد الخامس كثيرا، بعدما أصبحت توزع منتجاتنا في الدارالبيضاء وتتكلف بتسويقها للزبناء خارج بير الجديد” تقول الشعيبية.

حاليا، التعاونية النسوية “الضحى” تحاول جاهدة تكبير مشروعها النسائي، عبر البحث عن شركاء أجانب من أجل تصدير منتجاتها الى خارج الوطن، بعد حصولها على تصريح من الوكالة المستقلة للصادرات وترخيص السلامة الصحية، ما يسمح لها بتسويق منتجاتها بالخارج.

نساء قرويات، حرمن في سن مبكرة من الدراسة، إلا أنهن استطعن بفضل استراتيجية مخطط المغرب الأخضر، الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقته سنة 2008، تأسيس مشاريع فلاحية صغيرة ومدرة للدخل، حيث بلغت عدد التعاونيات بجهة الدارالبيضاء سطات ما بين 2010/2016 حوالي 116 تعاونية، ما أسهم في خلق فرص شغل مهمة وصلت إلى 2.1 مليون يوم عمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى