محكمة النقض بالمغرب تمدّد أجل سماع دعوى الزوجية وجمعيات نسائية تحذر

أصدرت محكمة النقض بالمغرب مؤخرا قرارا بقبول دعوى ثبوت زواج غير موثّق رغم انتهاء الفترة الانتقالية المحددة لسماع هذه الدعاوى من طرف المشرّع.

وبحسب ما أوردته المفكرة القانونية، على موقعها الرسمي، فإن هذا القرار غير المسبوق الصادر عن محكمة النقض، أتى ليسدّ فراغا تشريعيا أوجده موقف المشرع المغربي من عدم تمديد العمل بالمادة 16 من مدونة الأسرة.

وفي الوقت الذي رحّب فيه البعض بمضمون هذا القرار الذي جاء لحماية وضعيات لأسر حالت أسباب قاهرة دون توثيق عقود زواجهم، اعتبر فيه فريق آخر أن هذا القرار من شأنه تشجيع تزويج الطفلات وزواج التعدّد الذي يتمّ بشكل غير قانوني من خلال الاعتراف القضائي اللاحق بالزواج العرفي أو زواج الفاتحة.

وتعود فصول القضية إلى تاريخ 24/08/2021، حينما قدم رجل وامرأة دعوى أمام قسم قضاء الأسرة بمراكش يعرضان فيها بأنهما متزوجان بالفاتحة أي بشكل عرفي مند يناير 2007، وأن ظروفا قاهرة حالت دون توثيقهما لعقد الزواج في إبانه، وأنهما أنجبا ثلاثة أبناء، وأنهما يرغبان في تصحيح هذا الوضع القائم، ملتمسين من المحكمة الحكم بثبوت الزوجية بينهما مند يناير 2007 واستمرارها الى الآن مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.

وقضتْ المحكمة الابتدائية، بالاستجابة إلى الطلب اعتماداً على قواعد الفقه المالكي التي يرجع إليها في حالة عدم وجود نص قانونيّ.

وقد استأنفتْ النيابة العامة الحكم الابتدائي لخرقه مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة والتي حددت الفترة الانتقالية لسماع دعوى الزوجية في 15 سنة من تاريخ صدور مدوّنة الأسرة وهي الفترة التي انتهت في فبراير 2019، مما يجعل الدعوى قد قدّمتْ خارج الأجل القانوني.

وبتاريخ 08/03/2022 قضت محكمة الاستئناف بمراكش بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم بعدم قبول سماع دعوى الزوجية لانتهاء الأجل المحدد قانونا لذلك.

من جهتها، اعتبرت محكمة النقض في قرارها غير المسبوق بأنه رغم انتهاء الفترة الانتقالية المحددة من طرف المشرع لسماع دعوى ثبوت الزوجية، ودونما وجود نصّ يحدد تاريخ سماع دعوى الزوجية، فإنه يرجع الى الفقه المالكي طبقا لمقتضيات المادة 400 من من مدونة الأسرة[2]، وعليه قضت بنقض القرار.

وفي تعليقها على القرار، سجلت المحكمة أن المادة 16 من مدونة الأسرة تنص على أن “وثيقة عقد الزواج تعتبر الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج. وإذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة.

وتأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.

ويعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدّى خمسة عشر سنة ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ.

يعيد قرار محكمة النقض إلى الواجهة إشكالية زواج الفاتحة في المغرب، والتي حاولت مدوّنة الأسرة وضع حدّ له من خلال تقييد سماع دعوى الزوجية بفترة انتقالية محددة في 5 سنوات، وبعد انقضائها تم تمديد العمل بها لفترة استثنائية مدتها 10 سنوات، قبل أن يتم تمديد الأجل من جديد إلى فترة انتقالية أخرى مدتها 15 سنة من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ.

وخلال فبراير 2019، انتهى الأجل المحدد لسماع دعوى ثبوت الزوجية من دون أن يتدخّل المشرّع لفتح أجلٍ جديد، تلبية لمطالب الجمعيات النسائية الرافضة له كونه يستغلّ كوسيلة للتحايل على القانون المقيّد للتعدّد الزيجات ولتزويج الطفلات، حيث يلجأ العديد من الأزواج في حالة رفض المحاكم لطلباتهم للتعدد أو للزواج من قاصر إلى الاكتفاء بزواج عرفي. وبعد إنجاب الأطفال يقدمون دعوى للاعتراف بهذه الزيجات العرفية أمام المحاكم. وهو ما أكّدته دراسة تشخيصية لرئاسة النيابة العامة بالمغرب حول تزويج الطفلات، بل وقد أدّت هذه المادة إلى ظهور أشكال ملتبسة من الزواج العرفي مثل زواج الكونترا كمظهر من مظاهر الإتجار بالبشر.

واعتبرت محكمة النقض أن عدم تمديد المشرع لفترة سماع دعوى الزوجية يجعل على عاتق محكمة الموضوع الرجوع إلى الفقه المالكي الذي يعد مرجعا تكميليا لمدونة الأسرة، طبقا للمادة 400 منها علما بأن هذه المادة تخص حالة عدم وجود نص، بينما واقع الحال أن النصّ موجود وقد انتهى الأجل المحدد لقبول الاستثناء مما تبقى معه القاعدة هي الواردة في الفقرة الأولى من المادة 16 التي تجعل وثيقة عقد الزواج هي الوثيقة المقبولة لإثبات الزواج.

ويعتبر البعض أن الهدف من قرار محكمة النقض، هو حماية الأطفال الناتجين عن زواج الفاتحة من ضياع حقوقهم، لكن تنبغي الإشارة إلى أن مقتضيات المدونة تسمح بإثبات نسبهم في هذه الحالة بسهولة اعتمادا على الإقرار بالنسب، وكذا اعتمادا على شبهة الخطوبة.

جمعيات نسائية تحذر من تحوّل الاستثناء إلى قاعدة
أثار قرار محكمة النقض من جديد جدل تمديد أجل ثبوت الزوجية، حيث اعتبرت فدرالية رابطة حقوق النساء أن قرار محكمة النقض سيفتح الباب على مصراعيه لشرعنة تزويج الطفلات وزواج التعدّد وسيشجع على التحايل على القانون، وأنه يضرب عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب خاصة اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة رغم الجهود التي تبذلها المؤسسات القضائية ممثلة في المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة في تكوين القضاة على إعمال الاتفاقيات الدولية في الأحكام والقرارات القضائية.

ودعت الفدرالية في بيان لها، إلى ضرورة عدم تمديد أجل سماع دعوى الزوجية، وحماية حقّ الأطفال في النّسب بغضّ النّظر عن وضعية الأبويْن، والاهتمام بمراعاة مقاربة النوع الاجتماعي في التشكيلات القضائية وخاصة على مستوى محكمة النقض، وتمديد نطاق التكوينات المتعلقة بالاتفاقيات الدولية لتشمل قضاة هذه المحكمة أيضا، مع القطع مع زواج الفاتحة وكلّ الظواهر السلبية التي أنتجها وتكريس وثيقة الزواج كوسيلة وحيدة لإثبات الزواج.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الوطني لحقوق الانسان، قد أطلق في وقت سابق حملة لمواجهة تزويج الطفلات من أجل تثبيت القاعدة التي تحدّد سنّ الزواج للجنسيْن في 18 سنة وإلغاء الاستثناء الذي يجيز للقضاء النزول عن هذا السنّ.

تفاصيل أكثر حول الموضوع تجدونها في الرابطين التاليين:
محكمة النقض بالمغرب تمدّد أجل سماع دعوى الزوجية: تشجيع زواج الطفلات؟

قرار محكمة النقض


أرسين فينغر عن مواجهة المغرب لإسبانيا: “لا أطيق لأرى كيف سيؤدي”





انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى