بورصة السمك الرمضانية بالمغرب.. من يتحكم في الأسعار؟

روائح “الشوايات” التي تعبق في الأزقة والأسواق الشعبية بالمغرب يقابلها لهيب صامت في الأسعار، في مفارقة عجيبة ترفع “السردين” الشعبي، الذي لم يعد طعام الفقراء في رمضان، إلى مصاف الأطباق الفاخرة، وتجعل من المائدة الرمضانية ساحة لرهانات اقتصادية معقدة، بين شباك البحارة المنهكين في عرض البحر، ومضاربات “الشناقة” والوسطاء التي ترفع مؤشرات الأثمنة قبل حتى أن تلامس الغلة؛ إذ تتحول أسواق التقسيط في مختلف المناطق والمدن إلى ما يشبه “قاعات تداول” محمومة، حيث تتسيد “بورصة السمك” المشهد الاستهلاكي وتفرض إيقاعها على جيوب المواطنين.
ومع كل موسم يعرف اضطرابا في تموين الأسواق المغربية بالمنتجات السمكية، تتجه الانتقادات سريعا نحو مهنيي الصيد البحري، وكأنهم المتحكمون في حركة الأسماك وأحوال البحر.
غير أن الواقع الميداني يكشف أن هذا القطاع الحيوي يشتغل في سياق معقد تحكمه عوامل طبيعية وموسمية خارجة عن إرادة العاملين فيه.
وفي هذا الصدد، قال محمد عضيض، عضو غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى بأكادير، في تصريح لموقع “سيت أنفو” إن شهر رمضان هذه السنة يتزامن مع شهري فبراير ومارس، “وهما فترتان معروفتان تقليديا بضعف المردودية في عدد من المصايد، خاصة ما يتعلق بالأسماك السطحية الصغيرة”. فهذه الأنواع، بحسب المتحدث، “تخضع لدورات بيولوجية دقيقة، ترتبط بدرجة حرارة المياه والتيارات البحرية وتوفر الغذاء، ما يجعل وفرتها في البحر متغيرة تبعا للفصول والظروف البيئية، وليس وفق منطق إنتاج ثابت كما هو الحال في القطاعات الصناعية”.
إلى جانب هذه العوامل الطبيعية، يواصل عضيض تفصيل تلك العوامل موضحا أن “الواجهة الأطلسية خلال هذه الفترة تعرف اضطرابات جوية متكررة، تتمثل في رياح قوية وعلو في الأمواج، الأمر الذي يقلص عدد أيام الإبحار الفعلية، اذ أن مهنة الصيد البحري تبقى رهينة بحالة البحر، ولا يمكن المجازفة بأرواح البحارة أو بالمعدات تحت ضغط الطلب أو بدافع تلبية حاجيات السوق، وتبقى السلامة البحرية أولوية لا تقبل التهاون”.
وعمليا، يقول المتحدث ذاته، “كل يوم تتدهور فيه الأحوال الجوية يعني قوارب راسية في الموانئ وكميات أقل من الأسماك المعروضة في الأسواق، ورغم ذلك، يحرص المهنيون على استغلال كل نافذة جوية مواتية للإبحار والعمل لساعات طويلة من أجل توفير الكميات الممكنة، وقد انعكس هذا الوضع بشكل طبيعي على الأسعار، حيث تراوح ثمن السردين لدى المستهلك بين 13 و25 درهما للكيلوغرام، تبعا لحجم المصطادات ومستوى العرض، وهو تذبذب يعكس أساسا طبيعة النشاط البحري المرتبط بتقلبات البحر”.
وفي سياق مواكبة الطلب المتزايد خلال شهر رمضان، أشار محمد عضيض ضمن تصريحه للموقع إلى أن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري قد عملت على اتخاذ إجراءات استباقية لضمان استقرار التموين، حيث “تم هذه السنة، ولأول مرة، إدراج السردين المجمد ضمن مبادرة “الحوت بثمن معقول”، بهدف تفادي أي خصاص محتمل في السوق الوطنية، كما شهدت هذه المبادرة توسعا ملحوظا، حيث شملت أكثر من ألف نقطة بيع موزعة على مختلف مدن المملكة”.
وتسعى هذه المبادرة أيضا إلى “تمكين المستهلك المغربي من الولوج إلى منتوجات سمكية ذات جودة بأسعار تراعي القدرة الشرائية، إذ تتراوح أثمان السمك الأبيض ما بين 17 و80 درهما حسب الصنف، في حين حدد ثمن السردين المجمد في حدود 13 درهما للكيلوغرام”.
“إن الرغبة في ضمان وفرة المنتجات السمكية خلال رمضان تبقى أمرا مفهوما ومشروعا، غير أن من الضروري إدراك أن العرض السمكي لا يخضع لمنطق الإنتاج المستمر، بل لمنطق بيئي تحكمه دورات الطبيعة وتقلبات المناخ، وعندما يتراجع العرض بسبب سوء الأحوال الجوية أو ضعف الكتلة الحية في المصايد، فإن ذلك لا يعكس تقصيرا من المهنيين، بل واقعا موضوعيا يفرض نفسه على القطاع”، يورد محمد عضيض.
وختم عضو غرفة الصيد البحري الأطلسية تصريحه بالقول إنه “في نهاية المطاف، يظل مهنيّو الصيد البحري شركاء أساسيين في ضمان الأمن الغذائي البحري للمملكة، ورغم قسوة الظروف المناخية وصعوبة العمل في البحر، يواصل هؤلاء أداء مهامهم بصمت، بين أمواج لا تعترف إلا بالسواعد القوية والإرادة الصلبة”.
تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


