مغاربة محاصرون بدواوير ورزازات: لا تنسونا بعد ذوبان الثلج زورونا (روبرتاج)

“في فبراير الماضي أعطى الملك محمد السادس، تعليماته السامية بإطلاق عملية مساعدة عاجلة لفائدة السكان المتضررين من موجة البرد الحالية والتساقطات الثلجية، حسبما أعلنت عنه مؤسسة محمد الخامس للتضامن. موقع ‘سيت أنفو’ انتقل إلى نواحي ورزازات، في تغطية خاصة، للوقوف على حجم المعاناة التي لحقت بساكنة المنقطة، وإسماع صوتهم.”

وفاء بلوى (تصوير: هشام الدياني)

تطلب الوصول إلى دوار تالوست، يوما صحوا لا تعكر صفوه رياح الجنوب الشرقي المتمردة، ومروحية عسكرية، و20 دقيقة انطلاقا من ورزازات، سبقتها 15 حوالي ساعة قيادة من الدار البيضاء.

حطاط المروحية، كان إيذانا باجتماع الحشود، رجال ونساء وأطفال يبعثون من كل فج عميق، نحو التل حيث حطت المروحية محملة بمساعدات إنسانية لفك العزلة عن المنطقة.

وجوه تعكس تضاريس الأرض حيث يسكنون، وجنات أكسبها المناخ القاسي حمرة دموية، وشفاه ظمآنة لبرد أرحم من ذلك التي تجابهه، فيما البشرة تختزن سمرة شاحبة من قيظ الصيف.

الأسمال طبقات من كنزات صوف وفساتين مهترئة أو منامات (بيجامات) طويلة بالنسبة للنساء والفتيات، أما الرجال فأزياؤهم مزيج بين القمصان الرياضية والسراويل الكلاسيكية والجلابيب الصوفية في أحسن الأحوال.

يبدو مجتمع هذه الرقعة المعزولة من المغرب، توصلت بطريقتها الخاصة إلى حل لجدلية الذكورية السامة والنسوية الراديكالية التي تشغل بال عديد من مثقفي وسكان المدن، فقد تجد في تالوست رجلا غليظا قويا يرتدي حذاء ورديا بشكل عادي، وامرأة تبادر لاتخاذ القرار والحديث مع الأغراب دون وصاية ولا رقابة، فالفيصل والكلمة الأخيرة تعود دائما للبرد القاسي.

وبينما رجال الدرك والقوات المسلحة الملكية يفرغون ما بداخل المروحية من مساعدات على شكل أغذية وأغطية وأحذية، كان سكان دوار تالوست كما إيمغلاي وباقي دواوير جماعة سيروا بإقليم ورزازات، ممن سمحت لهم المسالك بالانتقال، متجمهرين حول التل، يترقبون بفضول الدفعة الثانية، ولا يغفلون عن تصوير أي مشهد بدا لهم مثيرا، باستعمال كاميرات هواتفهم.

الملك يفك الحصار..
“انظري إنها ترتدي تاعصريت (أي الزي العصري)”، هكذا كسرت فاطمة ذات الـ8 سنوات جدار الجليد، وحواجز اللغة بيننا وبين ساكنة المنطقة، وفتحت باب لتجاذب أطراف الحديث.

عائشة، والدة فاطمة، تدخلت لتترجم كلام ابنتها، وبسلاسة بدأت تحدثنا عن مخاوفها وأحلامها، وتقول السيدة ذات الـ44 ربيعا، إنها “قدمت من دوار إمغلاي، رفقة طفليها، فاطمة ومحمد، لتسلم المساعدات التي قدمها سيدنا”، وأيضا للترويح عن النفس بعد أيام طويلة من المسالك المقطوعة، والثلوج التي تفرض حصارها على الساكنة، مشيرة إلى أن حصار الثلج ينقضي بقدوم الربيع، بيد أن حصارا من نوع آخر كانت من ضحاياه، وتخشى أن يطال فاطمة ومحمد أيضا، “لا نستطيع تجاوز قسم السادس ابتدائي، سواء كنا ذكورا أو إناثا، لانعدام توفر إعدادية قريبة، ما يجعل مصيرنا محصورا في نسج الزرابي للفتيات، والرعي والزراعة للفتيان” تقول بمرارة.

إذ تبعد الثانوية الإعدادية الأقرب لإيمغلاي بحوالي 30 كيلومترا، ما يعني 6 ساعات مشيا على الأقدام ذهابا، ومثلها إيابا، أو الاستقرار بدار الطالب والطالبة أنزال، ذات طاقة استيعابية تصل إلى 148 مستفيد، بحسب ما جاء في دليل مؤسسات الرعاية الاجتماعية المقدم من طرف وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة برسم سنة 2015، لكنها تبقى خيارا يرفضه الآباء خوفا على أبنائهم وبناتهم، سيما وأن أصداء جودة العيش في دار الطالب والطالبة لا تشجع على خوض التجربة بحسب ما جاء على لسان الساكنة.

 

أدان دون مسجد..
الحديث عن استكمال الدراسة نكأ جراحا مخبوءة بين ضحكات بنات كل من تالوست وتازولط وإيمغلاي، التي تعلو خجلا، من أسئلتنا واهتمامنا تارة، ومن الغرباء والحديث بالدارجة المغربية عوض الأمازيغية، تارة أخرى.

ثم تستجمع البنات، وأصغرهن في الـ 17 من عمرها بينما الأكبر بينهن قد جاوزت الخمسين، ـ تستجمع ـ رباطة جأشهن، لتنساب الكلمات بصرامة سوط غاضب، “حنا فتازولط ماعندناش حتى الجامع”، جملة واحدة كانت كافية لتتوحد الصرخة، حفصة ولطيفة وحنان ورشيدة وغيرهن اتفقن على كلمة واحدة “نحتاج مسجدا في تازولط”.

واقع يبدو غريبا في مغرب يعتبر فيه بناء المساجد أمرا يُقبل عليه المحسنين، لكنه غائب في الدوار، فبعد أن اكتشفت السلطات المحلية أن المسجد يقع بمحاذاة مجرى مائي تقرر إغلاقه سنة 2019، دون أن يعوض بمكان آخر للعبادة والصلاة على الموتى، وكذا تحفيظ القرآن للصغار ومحاربة الأمية لدى الكبار. القرار جاء أيضا عقب مقتل 7 أشخاص على الأقل، شهر غشت 2019، أثناء مشاهدتهم مباراة لكرة القدم قبل أن تجرف السيول الملعب جراء فيضانات شهدها إقليم تارودانت بالجنوب الشرقي للمغربي.

وتقول إحدى بنات دوار تازولط بانهزامية بادية: ” منذ ذلك الحادث أغلق مسجدنا.. نعلم أن المجرى المائي يمر بجانب المسجد، لكننا مستعدون لتحمل المسؤولية في غياب البديل، المجرى صغير لن يؤثر، المهم أن نحظى بمسجد”، وتوضح أن الساكنة بادرت بتخصيص إحدى المنازل للصلاة، لكنها لا يمكن أن تعوض المسجد.

فيما تقول شابة ثانية والعبرات تتكاثف بمقلتيها “كيأذن ولكن كيسدوه علينا”.

يجابهن النسيان بالزربية
يبدو من خلال حديثنا إلى السكان أنهم كانوا في حاجة لحكي قصص تتزاحم في أفواههم حول دواويرهم، والجميع يريد أن يخبر بالقصة التي تؤلمه، ليكون الألم والنسيان العنوان المشترك بين جميع القصص.

“لا تنسونا بعد ذوبان الثلج، زورونا” هكذا خاطبتنا إحدى السيدات الخمسينيات بالمنطقة، وتطوعت شابة متمدرسة للترجمة من الأمازيغية إلى الدارجة، فيما بنات المنطقة الأخريات حرصن على تبادل أرقام الهواتف معنا لضمان استمرار التواصل مع القادمين من خارج منطقة العزلة.

جميع النساء والفتيات هنا يمتهن صناعة الزرابي التقليدية، بينما يتكلف الرجال ببيعها في السوق الأسبوعي، في حال سمحت الثلوج بإقامة السوق، مهنة تقول المنحدرات من قبيلة آيت وغرضة بدواويو جماعة سيروا، إنها السبيل الوحيد لقتل الوقت والبرد والعوز.

“غادرت صفوف الدراسة بعد بلوغ المستوى السادس، كان حلمي أن أدرس لكن الزربية ما كان ينتظرني”، تقول حفصة من تازولط، فيما عائشة من دوار إيمغلاي تقول: ” أنا من مواليد 1989، وتزوجت سنة 2015، فتفرغت لبيتي، الحمد لله هنا لا نتزوج في سن مبكر، لكن حياتنا دون تمدرس ضائعة، أنسج الزربية ويبيعها زوجي، ثمن الزربية ذات المقاييس 1 متر على 4 يبلغ 650 درهما، فيما الزربية ذات مقاييس 4 متر على 6 يصل ثمنها إلى 5000 درهم، لكنها قد تستغرق 5 أشهر”.

 

الطريق قبل المال..
“المال لا يساوي شيء عند تساقط الثلوج، فالسوق الأسبوعي لا يقام، والطريق تغلق، ولا يوجد في الدوار محل بقالة واحد، أين سننفق هذا المال؟” بهذه الكلمات لخص عبد الرحيم قصته كأحد سكان دوار تالوست، مميطا اللثام عن نظام معاملات القرى المعزولة بسيروا، حيث الاقتصاد يرتكز إلى جانب الزربية الواوزكيطية على ما يكتنفه “العزيب” (الحظيرة) في قمة الجبل من رؤوس ماشية، ومزروعات، وكذا ما تكتنزه العائلات في “بيت الخزين” من مؤن أساسية من سكر وحبوب وزبدة، لا يمكن لعاقل في المنطقة مقايضتها بأوراق نقدية يعيدها الثلج إلى حجمها أوراقا وفقط.

رجل ثان تدخل وهو يمسك حصته من المساعدات، مشيرا إلى أن المال لن يعيد الرعاة العالقين بالجبال، سيما أن السلطات بكل إمكانياتها المادية لم تستطع الوصول إليهم، لمدهم بالزاد والأعلاف.

طلبنا منه ربطنا بأحد أقارب الرعاة الثلاثة العالقين بقمة الجبل، وهناك التقينا عائلة جمال وعبد اللطيف، ودعونا للانتقال إلى بيت أحد الرعاة، ويقع بدوار تالوست، بعيدا عن مكان توزيع المساعدات بحوالي 3 كيلومترات غير مستوية من الوحل والثلوج، لنصل إلى “كانون” (الكانون يعني الموقد في الدارجة المغربية، ويطلق على البيوت، نسبة إلى مواقد المطابخ) الراعي العالق رفقة راعيين آخرين في القمة.

عند الدخول إلى البيت المبني بواسطة الحجارة، تجد هندسة فريدة بطابع مغربي واضح، باب صغير، يخفي شساعة البنيان بعده، ووسط الدار باحة بدون سقف، ممتلئة بأكوام الثلوج، فيما الغرف تحيط بها، وقد أوصدت أبوابها حفاظا على حرمة الدار وأهلها، و”الكانون” يطلق “البوغة” (الدخان الأسود) للتدفئة، والطبخ، وتأكيد التواجد بالمنزل. أما داخل البيت فكانت الأمازيغية هي اللغة الرسمية الأولى، وتليها الدارجة المغربية.

استقبلتنا امرأة في الخمسينيات بروب (بينوار) أزرق وعيون غائرة، تزيد من سماحة وجهها البشوش، تجمع حولها أبناؤها، أصغرهم في العاشرة، وأكبرهم تزوجت، -استقبلتنا- بالتحية التقليدية للدوار، والمتمثلة في تقبيل اليد، ورد الضيف بالمثل عدة مرات، مع عبارات الاطمئنان على الصحة والأحوال، وكانت سعيدة بأن يشاطرها أحد هم انتظار عودة زوجها المتقدم في السن من “العزيب” إلى بيته، حاولت ربط الاتصال به هاتفيا لكن شبكة الاتصال ما تزال متضررة من التساقطات الثلجية التي عرفتها ورزازات في الأسابيع الأخيرة، فاستسلمت، ثم اختبأت من الكاميرا وفضلت أن يتحدث صهرها.

ويقول عبد اللطيف إن والد زوجته “عالق في العزيب بمنطقة إيزين، منذ أزيد من 12 يوما، فيما عائلته عاشت الرعب، سيما في الأيام الثلاثة الأولى لانقطاع أخباره جراء تضرر شبكات الهاتف في المنطقة”، موضحا أن الترقب أضنى نفوس أفراد العائلة، ولم ترتح إلا بعد تطوع بعض من شباب الدوار للصعود إلى قمة الجبل سيرا على الأقدام، والاطمئنان على وضع العالقين هناك، رفقة ما يزيد عن 200 رأس من الماشية، مع تزويدهم بما يسد رمقهم في انتظار ذوبان الجليد، وتمكن الماشية من عبور الطريق بأمان، على حد قوله.

من جهته، يوضح جمال حنيني، فاعل جمعوي بالمنطقة، أن صعوبة سلوك الطريق تضع الرعاة العالقين وجها لوجه مع الخطر، وتمنعهم من العودة وترك قطيعهم خلفهم، مشددا على أن القطيع بالنسبة لساكنة المنطقة، يعد مورد الرزق الأول، وتليه الفلاحة المعيشية.

ويضيف حنيني أن الساكنة التي تعيش في السفح، وقطيعها وزراعتها في القمة، تضررت فيما سبق من مرض يصيب كبد الماعز، ألم بالقطيع، ثم جاءت الثلوج، لتضاعف الخسائر.

وكان إقليم ورزازات، قد شهد نفوق أزيد من 200 رأسا من العاز سنة 2021، إثر انتشار التهابات رئوية.

 

لا طبيب، لا قابلة..
“5 نساء هذا شهرهم، وغادي يولدو غير فالدار.. عادي كلنا ولدنا ولادنا فالدار، ولكن يلا وقع المشكل، تما فين كيكون الخطر”، هكذا بدأت عائشة من إيمغلاي الحديث عن تجربة الولادة بالمنطقة على هذا النحو، ثم انتقلت لتروي تجربتها في الولادة: “في إمغلاي لا نملك مركزا صحيا، ولا توجد بيننا قابلة، كل من باغتها المخاض، تلد على يد أمها أو حماتها، أو إحدى كبيرات الدوار، شخصيا، ساعدتني في الإنجاب حماتي”، ثم صمتت عائشة برهة، لتسترسل في الحديث “فعلا نحتاج لقابلة على الأقل، في الأسبوع الماضي، تدهورت حالة إحدى الحوامل، وتدخلت السلطات لنقلها جوا إلى المستشفى”، وختمت حديثها بالقول والأسى يعتليها ” نحتاج الكثير هنا..”.

يشار إلى أن أقرب مستوصف للساكنة يبعد بحوالي 30 كيلومتر، ويقع بإنزال، وبحسب المنظمة العالمية للصحة، فإن القابلات قادرت على توفير 87٪ من حاجيات النساء والمواليد الجدد، وثبت أن استمرارية الرعاية من طرف القابلات تقلص حالات الولادة المبكرة بنسبة 24٪.

 

للحلم بقية…
تستعد المروحية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الملكيةللإقلاع، بعد الانتهاء مؤسسة محمد الخامس للتضامن من توزيع 320 حصة من المساعدات، على 4 دفعات في اليوم، تحمل كل دفعة منها 80 حصة من أغطية وأحذية، يقول عمر موسى عبد الله، المكلف بالقطب الطبي والإنساني بمؤسسة محمد الخامس للتضامن، في حديث لـ”سيت أنفو”، إننا اليوم أسدلنا الستار على عملية الدعم الإنساني للساكنة المتواجدة في المناطق الجبلية بورزازات، نظرا لأنه كانت قد تبقت بحوزتنا 625 حصة، كان علينا إيصالها عبر المروحيات إلى المناطق الجبلية التي لا زالت معزولة نظرا لكثافة المياه ومجاري الوديان”.

بدأت ساكنة المنطقة مراسم التوديع، بعد أن رابطت يوما كاملا، وهي تؤكد على أنها لا تحتاج المال بقدر ما تحتاج لطريق سالك ومدرسة إعدادية وقابلة وبعض الأدوية، والأهم أن لاتنسى بين غياهب العزلة، لأن لأحلامهم بقية…


موعد عيد الأضحى بالمغرب لسنة 2024

whatsapp تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب






انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية




زر الذهاب إلى الأعلى