عنصرية واعتداءات وجوع بسبتة المحتلة والحل بيد المغرب.. هدوء ما بعد عاصفة “الحريك” -فيديو

وفاء بلوى

استفاق المغاربة قبل نحو أسبوعين على مشاهد من مدينة الفنيدق لسيول المرشحين للهجرة، ينجرفون نحو سبتة المحتلة أفواجا أفواجا، متسلحين ببعض الحظ والقدرة على السباحة وكل ما يمكن أن يمنع مقبرة البحر الأبيض المتوسط من جذبهم إلى جوفها، حد لجوء بعضهم إلى إحاطة خصورهم بالقناني البلاستيكية، علها تحملهم نحو الوجهة “الحلم”.

وبعد هدوء عاصفة الهجرة، وتناقص عدسات الكاميرات المصوبة نحو المرشحين لها، الذين تناقصت أعدادهم، ارتأى “سيت أنفو” العودة من جديد إلى أقرب نقطة من الثغر المحتل للملمة أشلاء القصة، وتقريب القارئ والمشاهد من سلسلة الأحداث التي لم تنته بمشاهد سيول المرشحين للهجرة، وإنما كان لها امتداد آخر بعد الوصول إلى سبتة.

حلم ملح على مرأى العين

“منذ ولدت وأنا أحلم بالهجرة، وحاولت ذلك مرارا وتكرارا…” هكذا وصف محمد ذو الـ24 ربيعا حاله مع تجربة الهجرة، موضحا لـ”سيت أنفو” أن رغبته الملحة في الهجرة إلى الضفة الشمالية، ليست وليدة أمس، وذلك بحكم انتمائه لأحد أحياء مدينة الفنيدق حيث هاجر جميع أقرانه، مضيفا: “في مراهقتنا كان هدفنا أن نصل إلى سبتة أو إسبانيا لنستفيد من الخيرية في انتظار بلوغنا سن الرشد… لكنني عدت بعدما وجدت أن الخيرية لا تخلو من الاعتداءات”، وبضحكة مشاكسة يسترسل محمد في الحديث عن تجاربه في “الحريك”، والتي كانت آخرها قطعه البحر ذهابا وإيابا 5 مرات، ساعد خلالها المرشحين للهجرة ممن لا يجيدون العوم، “في آخر موجة دخلت إلى سبتة 5 مرات وساعدت أشخاصا كانوا يرغبون في الذهاب لكني عدت في النهاية …” يضيف.

وإن كان محمد يعيش على فكرة الهجرة نحو إسبانيا، فالحال غير الحال مع ابن السيدة مريم التي تقول إنه يبلغ من العمر 22 سنة، وأنها المرة الأولى التي يترك فيها حضنها ليرتمي في حضن الغربة.

وتقول مريم في حديثها لـ”سيت أنفو”: ” كان ابني يسبح، قبل أن يرى أفواج المهاجرين إلى سبتة… والتحق بهم”، مشيرة إلى أنها لم تكن على علم بنية ابنها الذهاب، وتزيد قائلة بصوت تخنقه العبرات إنها لا تعلم إلى حد الساعة كيف وصل ابنها إلى سبتة، وأن كل ما تعرفه أنه وصل إلى هناك، “اتصل بي وقال لي: اطمئني أنا في سبتة” تضيف.

وفي هذا الصدد، يقول أسامة الدامون، الناشط الحقوقي بمدينة الفنيدق، في تصريح لـ”سيت أنفو”، إن شباب المنطقة ولسنوات يحلم بالهجرة نحو إسبانيا نظرا لقرب المنطقة جغرافيا من إسبانيا، وكذا انفتاح شبابها على الثقافة الإسبانية.

لكن، يبدو أن حلم التوجه إلى إسبانيا ليس حكرا على شباب مدن شمال المغرب، وهذا ما يتضح من خلال مصطفى المنحدر من الدار البيضاء.

مصطفى الذي التقى بطاقم “سيت أنفو” صدفة على شاطئ الفنيدق، بدا كمن أمسك قطعة من وطنه “كازا” بعد “اغتراب” دام أياما طويلة بالفنيدق، ظل يتحين خلالها فرصته كـ”حراك”، وحرص مصطفى الذي لم يكن الوحيد من أبناء البيضاء المرابطين على شاطئ الفنيدق ـ حرص ـ على الحديث أمام الكاميرا كرسالة لأبويه ليطمئنا عند رؤيته، وقال إنه اكترى بيتا قرب الشاطئ يرتاح فيه سويعات قبل بلوغ الرابعة فجرا، لأنه بعد الرابعة يكون شمر بالفعل على ذراعيه وبدأ محاولته لاجتياز الحدود وبلوغ سبتة المحتلة، “كانوض مع الربعة ديال الصباح كندخل وكنقول يا فتاح يا رزاق وكانتم غادي فحالاتي فيد الله…” يوضح.

لقمة عيش على باب سبتة

“ماكاينش البديل” عبارة لخصت دوافع كل من محمد ومصطفى وابن مريم الذي ترفض الكشف عن اسمه مخافة تعرضه لأي أذى محتمل، والبديل بحسب الشهادات التي استقاها “سيت أنفو” يجمع ما بين توفير فرص الشغل والعيش الكريم على صعيد التراب الوطني، وكذا توفير بدائل اقتصادية لساكنة الفنيدق بعد إغلاق معبر “باب سبتة الحدودي” الذي كان يشكل بالنسبة للمدينة عصب الحياة كما جاء على لسان حقوقيي المدينة.

وفي هذا الصدد، يقول مصطفى إنه في حال توفر بديل عن الهجرة في الدارالبيضاء ما كان ليترك أهله هناك، “كون كان البديل كون بقينا عند والدينا فكازا أصلا” يقول.
من جهته، يقول محمد في حديثه لـ”سيت أنفو”: “كان عندنا باب واحد اللي هو التهريب المعيشي ومن بعد ما تم الإغلاق ديالو تقريبا جميع العائلات تشردو……”، ويوضح محمد أنه اشتغل في التهريب المعيشي منذ سنة 2014 إلى حدود سنة 2020 حين أغلق “باب سبتة”، “وقف معبر باب سبتة وحنا كاملين بينا وقفنا” يزيد قائلا.

بيد أن إغلاق “باب سبتة” لم يؤثر فقط على ممتهني التهريب المعيشي، وإنما أيضا على مهن أخرى كانت منتعشة بفضل “باب سبتة”، كما هو الحال بالنسبة لمريم التي كانت تشتغل خياطة، تخيط لزبنائها القاطنين بسبتة أثوابهم، وتتخذ على ذلك أجرا تطعم به أسرتها بعد مرض زوجها.

وتقول مريم إنه بعد إغلاق معبر “باب سبتة” وتوقف نشاطها كخياطة لجأت إلى جانب عدد من سكان المدينة إلى الباشوية من أجل المطالبة ببديل اقتصادي، سواء عبر إدماجهم في المعامل، أو كعمال نظافة .. لكن الرد يكون بتسجيل أسمائهم وفقط، دون القيام بأي خطوة فعلية للتخفيف من وطأة الأزمة على الساكنة.

وفي ذات السياق يقول محمد المحمدين، الناشط الحقوقي بمدينة الفنيدق، في حديث لـ”سيت أنفو”، إن مدينة الفنيدق كان عصب الحياة فيها قائما على معبر “باب سبتة”، ليس فقط في شق التهريب المعيشي وإنما أيضا بسبب كون نسبة كبيرة من ساكنة المدينة كانت تشتغل بمدينة سبتة السليبة، موضحا أن إغلاق المعبر بشكل مفاجئ تم دون توفير أي بدائل اقتصادية، ما أجج في نفوس الشباب الرغبة والعزم على الهجرة.

كلام أكده الناشط الحقوقي أسامة الدامون الذي قال إن العديد من الساكنة ممن كانوا يشتغلون في سبتة بموجب عقود وجدوا أنفسهم ممنوعين من الالتحاق بعملهم، بسبب إغلاق المعبر.

عنصرية إسبانية

“السلطات الإسبانية حاليا كتعدا على عباد الله”،”هاجمتنا بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع..” هكذا وصف محمد بكثير من الأسى تجربته بعد الوصول إلى سبتة، موضحا أن السلطات الإسبانية اعتدت على المهاجرين بشكل لا إنساني وصل حد تجويعهم عن طريق منع المحلات التجارية من بيع منتجاتها لمن لا يحمل بطاقة الإقامة، وكذا ملاحقتها للأطفال المختبئين داخل الغابة بالقنابل المسيلة للدموع أيضا.

ويسترسل محمد في الحديث قائلا: “واخا عندك الفلوس إدا ما عندكش الإقامة غادي تبقا تما تموت بالجوع”، مشيرا إلى أن حتى إمكانية الاختباء في منازل أفراد العائلة القاطنين بسبتة غير متاحة، نظرا لكون السلطات الإسبانية فرضت غرامات تقدر بـ3 آلاف يورو في حق كل من ثبت إيواؤه لأحد المرشحين للهجرة.

من جهته يكتفي مصطفى بقول ما قل ودل، ملخصا الوضع بـ “حنا الحراكة كنعانيو.. وكاع هاد الشباب كيضيعو”.

فيما مريم لا تعرف شيئا عن الفظاعات التي قد يكون ابنها يتجرعها بعد عبوره لسبتة، إثر انعدام وسيلة الاتصال بينهما.

ويقول الناشط الحقوقي محمد المحمدي إن السلطات الإسبانية ارتكبت انتهاكات وخروقات كثيرة، فإلى جانب تعنيف المرشحين للهجرة وضربهم بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، قامت إسبانيا أيضا بتجميع المرشحين للهجرة لا تراعي مرور العالم بجائحة كورونا، وتفتقر لأدنى شروط السلامة الصحية على حد قوله.

وفي السياق ذاته، يعود محمد ليقول إن السلطات الإسبانية تكن كرها للمغاربة “هوما ما حامليناش .. المغاربة ما محمولينش عندهم”.

كراهية يقول عنها الناشط الحقوقي أسامة الدامون أنها نابعة من تصاعد تيارات يمينية متطرفة، تروج لخطابات الكراهية والعنصرية تجاه المهاجرين سيما منهم المغاربة والمسلمون، مؤكدا أن المد اليميني المتطرف بإسبانيا يزيد من تأزيم أوضاع المرشحين للهجرة بسبتة.

الحل هنا

عند سؤال كل من مريم ومحمد ومصطفى عن الحل برأيهم لهذا الوضع، اختلفت الردود باختلاف أوضاعهم، ففي الوقت الذي ترى فيه مريم أن الحل الوحيد بالنسبة لها هو إرجاع فلذة كبدها إلى حضنها قائلة : “ما خاصني حتا حل خاصني غير ولدي، حرقولنا الكبدة ديالنا.. واخا نعرف نمشي نسعى ونجيب لو”.

يرى محمد أن توفير فرص الشغل لشباب منطقة الفنيدق قائلا: “إدا جبرنا هنا فرص الشغل حتا حد ما غادي يفكر يهاجر.. شكون كره يعيش حدا الوالدين ديالو… الغربة حكارة”.

فيما يتمسك مصطفى برغبته في بلوغ الفردوس الأوروبي ويقول إن “الحل هو غادي نبقا هنا حتا نمشي لأوروبا..”.

ويعلق أسامة الدامون الناشط الحقوقي بالمنطقة، قائلا إن الحل يكون بالأساس داخليا عن طريق النهوض بكل ما هو اجتماعي على صعيد المملكة المغربية على حد تعبيره.

وفي ذات السياق يقول الناشط الحقوقي محمد المحمدي إن الحل يتمثل في التعاطي مع قضية الهجرة بناء على مقاربة حقوقية تحترم الحقوق الأساسية للمهاجرين، وتأخذ بعين الاعتبار كون الهجرة حق إنساني مكفول في العهود والمواثيق الدولية، إلى جانب توفير بدائل اقتصادية لساكنة الفنيدق، فضلا عن توفير سياسة تنموية على مستوى التراب الوطني على حد قوله.

يشار إلى أن أزيد من 10 آلاف مرشح للهجرة من بينهم أطفال قصر، دخلوا إلى سبتة السليبة قبل أسبوعين، في خضم توتر العلاقات المغربية الإسبانية، إثر استقبال إسبانيا لرئيس الجبهة “الانفصالية” ابراهيم غالي بهوية مزورة على ترابها في سرية.

وحسب وكالة الأنباء الإسبانية فإن السلطات الإسبانية رحلت 6 آلاف مرشح للهجرة، فيما لا يزال أكثر من 800 قاصرا معظمهم مغاربة في سبتة.

وحسب ذات المصدر فإن 92 بالمائة من الأسر المغربية ترفض عودة أبنائها القاصرين من مدينة سبتة، مفضلة بقاءهم في إسبانيا لتسوية أوضاعهم.

انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى