ثقافة الكشف.. حين يتحول فحص سرطان الثدي إلى درع وقاية

يواصل “أكتوبر الوردي” فرض نفسه كحملة وطنية سنوية تعبئ المنظومة الصحية والمجتمع المدني، غير أن رهانه الحقيقي يتجاوز الجانب اللوجستي ليلامس عمق الهاجس النفسي والسوسيولوجي المرتبط بمرض السرطان.
فخلف أرقام الإصابات وحملات التحسيس، تبرز معركة صامتة تخوضها المرأة المغربية في مواجهة ترسبات ثقافية ونفسية تجعل من الحديث عن الجسد والمرض “منطقة محظورة”.
وتأتي المبادرات الميدانية، كالحملة التي أطلقتها مندوبية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بوجدة أنجاد طيلة شهر أكتوبر 2026 تحت شعار “صحتك راس مالك… الوقاية والكشف المبكر ضمانك”، لتعمل على كسر هذه الحواجز، محولة الفحص من هواجس الخوف والصمت إلى ثقافة وقائية قائمة على الاطمئنان والعناية الذاتية.
جدار الخوف والتردد.. حين يغذي الصمت خطورة المرض
لا شك أن الإحجام عن إجراء الفحوصات الدورية لا يفسر فقط بنقص المعلومات، بل تغذيه في كثير من الأحيان منظومة من المخاوف الدفينة والجاهلة بطبيعة الأورام في مراحلها الأولى، فالكثير من النساء يفضلن “الجهل الآمن” على مواجهة تشخيص محتمل، متأثرات بصور نمطية قاتمة تقرن السرطان بالنهاية المحتومة.
هذا الصمت المطبق، الناتج أحيانا عن استحضار نظرة محيط اجتماعي لا يزال يتعاطى بحذر مع الأمراض الخطيرة، يجعل النساء يتأخرن في ارتياد المراكز الصحية حتى تصل الحالة إلى مراحل متقدمة يصعب علاجها، وهو ما تحاول الحملات الوطنية تفكيكه عبر مقاربة نفسية قريبة من المواطنة.
ثقافة القرب.. أدوار ميدانية لكسر طابو الجسد
في محاولة لتذليل هذه العقبات السوسيولوجية، تراهن المبادرات المحلية على سياسة القرب وتوسيع دائرة التواصل لتشمل المجالين الحضري والقروي على حد سواء.
وفي هذا السياق، تلعب الفرق الصحية الميدانية، مثل فريق المركز الصحي الحضري “سيدي يحيى” بوجدة وبمشاركة فعالة لطالبات القابلات بالمعهد العالي لمهن التمريض وتقنيات الصحة، أدواراً محورية.
حضور هذه الفئات الشابة والنسائية في حصص التحسيس والكشف المباشر داخل المراكز وخارجها يساهم بشكل كبير في تطبيع النقاش حول صحة الثدي وعنق الرحم، وإزالة الحرج المرتبط بالفحص، باعتباره إجراء طبيا عاديا يحمي الحياة ولا يمس بالخصوصية.
من واجب مخيف إلى ثقافة “اطمئنان وعناية ذاتية”
إن نجاح رهان “أكتوبر الوردي” يقاس بقدرته على إحداث انقلاب مفاهيمي في عقلية المتلقي، أي الانتقال بالفحص المبكر من واجب ثقيل ومقلق تفرضه المؤسسات الصحية، إلى سلوك وقائي نابع من الوعي بأهمية الذات.
وتستهدف هذه الحملات فئات عمرية محددة بدقة من 40 إلى 69 سنة لسرطان الثدي، ومن 30 إلى 49 سنة لسرطان عنق الرحم محفزة النساء عبر شعارات ترتكز على قيمة الحياة والأمان.
وحين تصبح التوعية مسارا جماعيا يدمج المجانية الكاملة للخدمات مع الدعم النفسي والقربي، فإنها تفتح الباب أمام جيل نسائي جديد يرى في الكشف المبكر درعا استباقيا يعيد كتابة قصة النجاة بثقة وأمل.
تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


