وزارة الثقافة تنعي الكاتب والناقد محمد السرغيني

حرص وزير الثقافة، محمد المهدي بنسعيد، على نعي الكاتب والشاعر والناقد محمد السرغيني، الذي غيبه الموت، أول أمس الجمعة، عن عمر ناهز 96 سنة، بعد معاناة مع المرض.
وجاء في تعزية الوزير التي تقاسمها الحساب الخاص بوزراة الشباب والثقافة والتواصل على “الانستغرام”: “ببالغ الحزن والأسى، تلقّينا نبأ وفاة الكاتب والشاعر والناقد الدكتور محمد السرغيني، واحدا من أبرز القامات الفكرية والأدبية في المغرب والعالم العربي، بهذه المناسبة الأليمة، يتقدم السيد الوزير بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرة الفقيد الصغيرة والكبيرة، وإلى كافة الأسرة الفنية والثقافية الوطنية، راجياً من الله العلي القدير أن يتغمد الراحل بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.إنا لله وإنا إليه راجعون”.
يعد الراحل، الذي رأى النور بمدينة فاس سنة 1930، واحدا من أبرز القامات الفكرية والأدبية في المغرب والعالم العربي، ومن الأسماء التي أسهمت، على مدى عقود، في ترسيخ مسارات الحداثة الشعرية والنقدية، مخلفا وراءه رصيدا إبداعيا وفكريا غنيا توزع بين الشعر والنقد والترجمة والدراسات السيميائية والفلسفية والرواية والمسرح.
وخلف الفقيد تركة أدبية وازنة، من أبرز عناوينها في الشعر دواوين “ويكون إحراق أسمائه الآتية” (1987)، و”بحار جبل قاف” (1991)، و”الكائن السبئي” (1992)، و”من فعل هذا بجماجمكم؟” (1994)، إلى جانب ديوان “تحت الأنقاض فوق الأنقاض” الذي توج عنه بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر.
كما أغنى السرغيني المكتبة المغربية والعربية بإسهامات نوعية في النقد والفكر، من بينها “محاضرات في السيميولوجيا” (1987)، ودراسة وترجمة لشعرية صلاح ستيتية، فضلا عن روايته “وجدتك في هذا الأرخبيل” (1992)، ومسرحيته “أغنية القطار الشبح” (1986).
واتسمت التجربة الشعرية للراحل بخصوصيتها وتفردها، وبنزوعها إلى الخروج عن المألوف والتمرد على القوالب الجاهزة، مستثمرة تفاعلا عميقا بين الحس الصوفي وأفق الحداثة، في سعي دائم إلى ابتكار أشكال ورؤى جديدة للقول الشعري. وهو ما جعل تجربته تحظى بمكانة بارزة في المشهد الشعري المغربي والعربي، وتستقطب اهتمام النقاد والباحثين داخل المغرب وخارجه.
وتوج هذا المسار الإبداعي بحصوله على جائزة الأركانة العالمية للشعر سنة 2004، ليكون من أوائل المتوجين بهذه الجائزة التي يمنحها بيت الشعر في المغرب، كما نال جائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر عن ديوانه “تحت الأنقاض فوق الأنقاض” سنة 2013.
ولم يكن السرغيني شاعرا فحسب، بل شكل حالة ثقافية وفكرية متميزة، جمعت بين التكوين الأكاديمي الصارم، والانشغال النقدي والفلسفي، والعمق الصوفي، وتوهج المخيلة الشعرية الحداثية، الأمر الذي جعله أحد الأسماء المؤثرة في مسار الشعر المغربي المعاصر وفي تكوين أجيال من الباحثين والدارسين.
وينحدر الراحل من مدينة فاس، حيث تلقى تعليمه الأول وتأثر بالمناخ الثقافي والعلمي العريق للمدينة، قبل أن يواصل مساره المعرفي في رحاب جامعة القرويين، ثم ينتقل إلى المشرق، حيث حصل على الإجازة في الآداب من جامعة بغداد سنة 1959.
وبعد عودته إلى المغرب، واصل تكوينه الأكاديمي، فنال شهادة الأدب المقارن من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1963، قبل أن يتوج مساره الجامعي بالحصول على دكتوراه السلك الثالث سنة 1970، ثم دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بباريس سنة 1985.
وإلى جانب عطائه الإبداعي والفكري، اضطلع الراحل بدور بارز في مجال التعليم الجامعي وتكوين الأجيال، إذ التحق أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، وظل منخرطا في التدريس والبحث والتأطير الأكاديمي، قبل أن يتولى منصب نائب عميد الكلية بين سنتي 1986 و1991.
وبذلك، لم يقتصر أثر محمد السرغيني على ما خلفه من دواوين ودراسات وأعمال إبداعية، بل امتد إلى أجيال من الطلبة والباحثين الذين تلقوا عنه أدوات المعرفة النقدية والبحث الأكاديمي، وأسهموا بدورهم في مواصلة مسيرة المدرسة المغربية في الشعر والنقد.
وبرحيله، يفقد المغرب أحد أبرز رموز الحركة الشعرية والفكرية المعاصرة، وتفقد الساحة الثقافية العربية شاعرا وناقدا ومفكرا ظل، على امتداد عقود، وفيا لرهانه على التجديد والبحث عن آفاق مغايرة للقصيدة والفكر، فيما تظل أعماله شاهدة على مسار إبداعي وفكري حافل ترك بصمة راسخة في الذاكرة الأدبية المغربية والعربية.
تابعوا آخر الأخبار عبر واتساب


انضم إلينا واحصل على نشراتنا الإخبارية


